يعد ابن خلدون 1332-1406م في نظر العديد من الدارسين المؤسس الحقيقي لفلسفة التاريخ، فهو لدىارنولد توينبي ” قد تصور وصاغ فلسفة للتاريخ تعد بلا شك اعظم عمل من نوعه”([1]). ويرى فيه طه باقر، “أنه من كبار فلاسفة التاريخ واول من وضع علم الاجتماع”([2]).

ويذهب المؤرخ الانجليزي المعاصر “هوبز بوم” في دراسته في التاريخ، الى عد ابن خلدون “النموذج الممثل لدراسة الانواع والتحول التاريخي على المدى البعيد وتطور المجتمعات، وهو نموذج قوي على نحو هائل ويكاد يكون متقدما على زمنه مثلما كانت مقدمته”([3]), وقال عنه جورج سارتون في كتابه “تاريخ العلم”, ” لم يكن اعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخاً كعملاق بين قبيلة من الاقزام فحسب، بل كان من اوائل فلاسفة التاريخ سابقا مكيافللي وبودان وفيكو وكونت وكورنو”([4]), ويقول نيكلسون: “لم يسبقه احد الى اكتشاف الاسباب الخفية للوقائع او الى عرض الاسباب الخلقية والروحية التي تكمن خلف سطح الوقائع او الى اكتشاف قوانين التقدم والتدهور”.

اما روبرت فلنت في كتابه ( تاريخ فلسفة التاريخ) فيرى “انه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد انجب مثيلاً له في فلسفة التاريخ، هناك من يتفوقون عليه كمؤرخ حتى بين المؤلفين العرب… اما في فلسفة التاريخ فقد كان فريداً ووحيداً.. لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية ولكنه وحده الذي استخدمها”([5]).

ويرى مدني صالح ان “ابن خلدون هو خير من عرف التاريخ تعريفا فهرسيا نقدياً”، كما أشرنا في التمهيد.في حين ان البان ويدجيري يرى “ان ابن خلدون هو اهم مؤرخي المسلمين الذين فسروا التاريخ”([6]), ويصفه علي حسين الجابري “بالمفكر الذي اجتمعت فيه ذخيرة العرب التاريخية والسياسية الى جانب خبرته الشخصية ووعيه الفلسفي ومعايشته للواقع العربي المؤلم”([7]), وتذهب زينب محمود الخضيري الى “ان ابن خلدون هو مؤسس فلسفة التاريخ([8]), ويجد فيه محمد عابد الجابري، مبدع فلسفة التدهور او التراجع وليس التقدم التاريخي”([9]).

ربما كان ابن خلدون من بين المفكرين القلائل الذين حظوا بهذا الاهتمام المنقطع النظير من الدارسين العرب والاجانب ولا تخلو دراسة في فلسفة التاريخ او التاريخ او علم الاجتماع، من الاشارة الى ابن خلدون ومقدمته الشهيرة.

فما الذي يفسر انبعاث فيلسوف الاندلس وتوهجه في فضاء الثقافة المعاصرة، وما الذي يمنح فيلسوف القرن الرابع عشر الميلادي هذا الزخم الجديد وهذا الدفق المتواصل؟.

ان غنى وخصوبة وتنوع النص الخلدوني هي التي جعلته اليوم، كما كان في الامس محوراً ومثار نقاشات وسجالات ومحاورات فكرية حامية ومثيرة ومتجددة. فمنذ نحو قرن ونصف وسيل الدراسات والابحاث لم ينقطع عن ابن خلدون وفكره، ويرى عزيز العظمة: “ان جل ما تتميز به الدراسات الخلدونية باللغة العربية من غيرها بلغات اخرى يكمن في ما مثله ابن خلدون، (كما صدق لمفاهيم) عدة اتخذت ميزات في الصراعات السياسية الثقافية في البلدان العربية منذ نيف وقرن، مثل اتهامه بالشعوبية والدفاع عنه ضد هذه التهمة([10]).

واذا كان يصعب عمل جرد لكل الدراسات والابحاث التي تناولت ابن خلدون، فلا بد من الاشارة الى انه ما من مفكر عربي معروف منذ عصر “يقظة الوعي العربي” حتى الان الا وكتب عن ابن خلدون(*).

ولم يكن اهتمامنا بابن خلدون هنا من باب التقليد والترف بل جاء مدفوعا بحافز البحث عن الروابط والمؤثرات الفكرية التي تأثر بها فيلسوفنا ومحط عنايتنا ارنولد توينبي. اذ ان كثيراً من المفاهيم والافكار قد استلهمها توينبي من أبن خلدون كما سوف نلاحظ في الفصول الآتية.

التاريخ عند ابن خلدون

بعد ان ينتقد ابن خلدون المؤرخين وطرائقهم في فهم ورواية التاريخ، يعود ليعرف التاريخ تعريفا لم يتجاوزه احد حتى الان، إذ عرفه بقوله: ” التاريخ خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الاحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات واصناف التقلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر باعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران لطبيعته من الاحوال”([11]).

هذا التعريف الفهرسي الوظيفي الذي يلخص به ابن خلدون التاريخ ومحتوياته ويختصر وظيفته، على نحونستطيع ان نستخلص منه بالاستنتاج بعد التحليل أن التاريخ في نظر ابن خلدون: تاريخ حرب وتقاتل وتغالب وعدوان بين التوحش الى التأنس كما بين التأنس الى التوحش.

ولم يكن التاريخ في حقيقة امره الواقعية، الا حالة تكيف ورد فعل وصراع واقتتال وتدافع في سبيل الحياة، المحكومة بالقانون الطبيعي، الحفاظ على البقاء ومقاومة الفناء.

قال تعالى:” لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين”([12])انها حكمة الله في خلقه الذي أمر الانسان بالسعي وتعمير الأرض وجعل الايام دولاً بين الناس.

ويرى اسحاق عبيد “ان تعريف ابن خلدون للتاريخ يعد من اشمل التعريفات التي قدمها المفكرون سواء في الشرق او في الغرب”([13]).
وفي خطوة اخرى يخطوها ابن خلدون باتجاه تعميق الفهم الفلسفي للتاريخ، يكشف عن تصوره فيما عبر عنه بـ “باطن التاريخ” بقوله انه: “نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع واسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بان يعد في علومها وخليق”([14]).

ان هذا الفهم الفلسفي العقلاني للتاريخ من حيث منطقه الداخلي، هو الذي يميز ابن خلدون من سواه، اذ اتخذ من الظاهر التجريبي الاستقرائي لحظة نقدية لاكتشاف المنطق الداخلي للعملية التاريخية المحكومة بالتبدل والتغير المستمر، وقد كشف عن قانون التطور الدنياميكي في الحياة والمجتمع، ” ان احوال العالم والامم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، انما هو اختلاف على الايام والازمنة وانتقال من حال الى حال… سنة الله التي خلت في عباده”([15]).

ولقد اخذ ابن خلدون من الفلسفة نظرتها العقلية الكلية ومن التاريخ واقعيته ومعطياته الجزئية، والاستردادية في منهجه، ليكون منهما علما واحدا يجذب فيه الفلسفة الى علم الوقائع حتى لا تحلق في سماء اليوتوبيات ويجذب فيه التاريخ الى الفلسفة حتى لا يصبح مجرد روايات وسرد اخبار جزئية لا رابط بينها، فان الفلسفة دون تاريخ خواء والتاريخ دون فلسفة عماء.

ان استخدام ابن خلدون المنهج الفلسفي العقلاني النقدي وأدواته الكلية والديناميكية والتعليل والتحليل الديالكتكي هو الذي جعله يبني نظرية في التعاقب الدوري للنظم السياسية.

تعاقب الدول والحضارات

يرى ابن خلدون ان الدولة في الغالب لا تعدو اعمار ثلاثة اجيال والجيل هو انتهاء النمو والنشوء الى غايته, قال تعالى: “حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة”([16]) وبهذا يكون عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل، اما عمر الدولة فيكون في الغالب ثلاثة اجيال:-
1. الجيل الاول:- لم يزل على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشترك في المجد، فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم، فحدهم مرهف، وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون.
2. في الجيل الثاني تستقر الدولة ويتحول حالهم بالملك والترف من البداوة الى الحضارة ومن الشظف الى الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد الى انفراد الواحد به، وكسل الباقين عن السعي اليه من عز الاستطالة الى ذل الاستكانة، فتنكسر سورة العصبية بعض الشي، وتؤنس منهم المهانة والخضوع.
3. في الجيل الثالث ينسون عهد البداوة والخشونة كان لم تكن ويفقدون حلاوة العز والعصبية مما هم فيه من ملكه القهر ويبلغ فيهم الترف نهايته “بما تفنقوه من النعيم وغضارة العيش، فيصيرون عيالا على الدولة ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم وتسقط العصبية بالجملة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ويلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة موهوبين بها، وهم في الاكثر اجبن من النسوان على ظهورها. فاذا جاء المطالب لهم لم يقاموا مدافعته، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ الى الاستظهار سواهم من اجل النجدة ويستكثر الموالي، ويصطنع من يغنى عن الدولة بعض الغناء، حتى يتاذن الله بانقراضها، فتذهب الدولة بما حملت, ” هذه الاجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرون سنة على ما مر، ذكره هذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من التزيد الى سن الوقوف، ثم سن الرجوع”([17]).

مما تقدم نستنتج ان ابن خلدون نظر الى التاريخ والحضارة من وجهة نظر تطورية حيوية حينما شبه المجتمع بالجسم الحي، الذي يولد وينمو وينضج ويضعف ويتدهور ويموت.

ان النظرة الفلسفية في دراسة التحولات والتبدلات الحضارية تتجلى عند ابن خلدون في رؤيته الكلية للظاهرة التاريخية في سياقاتها التاريخية والطبيعية، فالبيئة الطبيعة والجغرافية والمناخ والخصوبة، ووسائل انتاج الثروة، وطريقة تنظيم الناس في القبيلة او المدينة، والعصبية والعقيدة التي لها توحد الجميع، والقيم الاخلاقية والشروط الاخرى التي تتصل بحياة الناس كلها تؤثر في حياة الناس في صراعهم مع الطبيعة ومع انفسهم، ولقد جاءت رؤية ابن خلدون التاريخية حصيلة لتجربة غنية ومعايشة مستمرة للدول والانظمة والشعوب المتصارعة في زمانه، فاستخلص بان التاريخ هو “نهوض وانحطاط” للدول من حالة البداوة الى حالة الحضارة، وان كل نظام يمر بالدور نفسه من الميلاد والنمو والنضج والانحطاط اشبه بالكائن الحي، الذي يولد وينمو ويموت([18]).

ويرى ارنولد توينبي، “ان المؤرخ العربي الكبير كان يفكر في الدول البدوية لما قدر لها اعماراً طبيعية كما للاشخاص لا يجاوز مجموعها ثلاثة اجيال، ويضيف توينبي متفقاً مع ابن خلدون: حقا، فانه ما ان يستكمل الغزو، حتى يتحلل الفاتح البدوي نتيجة لابتعاده عن عنصره الخاص (أي عصبيته) وتحوله من الناحية الاقتصادية الى شخص زائد عن الحاجة”([19]).

على هذا النحو هناك أربع مراحل متعاقبة لميلاد الدول وزوالها: البداوة، الملك، الحضارة، ثم السقوط. وعلى هذا فالتاريخ والحضارة عند ابن خلدون دورة متصلة وصراع دائم على الملك والرياسة والحضارة، والحضارة هي غاية العمران ومنتهاه ولكنها سبب خرابه وزواله، ويرى حسين مؤنس، “ان ابن خلدون يخطئ هنا خطأ أساسا، حينما يجعل الحضارة سبب خراب العمران، ذلك لان الحضارة هي مصدر قوة ومنعه وازدهار للانسان”([20]).

ان حسين مؤنس ينطلق في نقده لابن خلدون من المفهوم المعاصر للحضارة، لكن ابن خلدون في دراسته أحوال مجتمعة، كان يهدف الى بيان: “احوال مبادئ الدول ومراتبها.. وأسباب تزاحمها او تعاقبها.. وعلة الوقوف عند غايتها..” وهو بذلك انصرف الى تشييد فلسفته على اساس وقائع اجتماعية كانت طاغية وملموسة في عصره، دافعة الرابطة العصبية، والمذهبية الدينية ولاقتصاد الريعي.

واذا كان المجال لا يتسع للمزيد هنا فكل ما يهمنا من ابن خلدون هو تاثيره اللاحق في معظم فلاسفة التاريخ بعده فقد استبق مونتسكيو في تاكيد العلاقة بين الظواهر الاجتماعية والظواهر الجغرافية، وكان اسبق من كارل ماركس، في الفهم المادي للتاريخ، وكان اسبق من شبنجلر في التعاقب الحيوي للحضارة، واثر في ارنولد توينبي في كثير من الافكار كما سوف نلاحظ لاحقاً.


( ([1]ارنولد توينبي، تاريخ البشرية، ج2 ص160.
(([2] طه باقر، في مقدمة، ترجمة كتاب ارنولد توينبي بحث في التاريخ، موجز المجلدات السنة الاولى بقلم د. سى. سمرفل الجزء الاول، مطبعة التفيض الاهلية، بغداد، بدون تاريخ مقدمة المترجم ص.س.
([3]) أ.ج. هوبز بوم، دراسة في التاريخ، ص150.
([4]) احمد محمود صبحي، المصدر نفسه، ص134.
(([5] احمد محمود صبحي، المصدر نفسه.
(([6] البان ويدجيري، المصدر نفسه، ص95.
(([7] علي حسين الجابري، فلسفة التاريخ، مرجع سابق، ص195.
(([8] زينب محمود الخضيري، فلسفة التاريخ عند ابن خلدون، ص65.
([9]) محمد عابد الجابري، اشكاليات الفكر العربي المعاصر، ص17.
(([10] عزيز العظمة، ابن خلدون وتاريخيته، دار الطليعة- بيروت الطبعة الثانية 1987، ص8.
(*) نذكرهنا، ساطع الحصري: دراسات عن مقدمة ابن خلدون مكتبة الخانجي القاهرة 1961. وعدنان عبد الله، ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة 1953. وعلي عبد الواحد وافي، ابن خلدون، سلسلة قادة الفكر في الشرق والغرب، مكتبة نهضة مصر بدون تاريخ. علي الوردي، منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة 1962م. مهرجانات ابن خلدون العديدة…. الخ، وطه حسين فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، القاهرة، 1925م. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى الضجة التي أحدثها كتاب محمود إسماعيل نهاية أسطورة ابن خلدون. نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل أخوان الصفا، دار عامر للطباعة المنصورة، ط1، 1996، وكتاب هل انتهت أسطورة ابن خلدون؟، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، 2000.
([11]) ابن خلدون، “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر”مؤسسة جمال للطباعة، بيروت، ص27.
([12]) سورة البقرة الاية (25).
(([13] اسحاق عبيد، معرفة الماضي، ص28.
([14]) محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة معالم نظرية خلدونية في التاريخ الاسلامي، دار الطليعة- بيروت، طبعة ثالثة 1982، ص232.
(([15] ابن خلدون, المقدمة، ص50.
[16])) سورة الاحقاق الآبة 15.
([17]) ابن خلدون , المقدمة, ص250.
(([18]عبد العزيز عزت، فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، مكتبة القاهرة الحديثة القاهرة طبعة 1 1960، ص37.
[19])) توينبي ، مختصر دراسة التاريخ، ج1، ص35
( ([20] حسين مؤنس، الحضارة، مجلة عالم المعرفة الكويتية، العدد، 34، مايو 1978، ص178

لا تعليقات

اترك ردًا