للعرب قبل الإسلام مثل سائرالشعوب الأخرى تعبدوا الالهة، وفكروا في وجود قوى عليا لها عليهم حكم وسلطان، فحاولوا كما حاول غيرهم التقرب منها ولسترضاءها بمختلف الوسائل والطرق، ووضعوا لها اسماء وصفات.، وخاطبوها بألسنتهم وبقلوبهم، سلكوا في ذلك جملة مسالك، هي ما نسميها في لغاتنا بالأديان.

لفظ الدين

وتقابل كلمة “دين” العربية لفظة religion في الانكليزية من أصل لاتيني هو religere أو religare وآراء العلماء المعنيين بتاريخ الأديان وفلسفتها على اختلاف كبير جداً في وضع حد علمي مقبول بين الجميع لموضوع الدين، وربما لا يوجد موضوع في العالم أختلفت في تحديده الآراء كهذا الموضوع: موضوع ماهية الدين وتعريفه، حتى صار من المستحيل وضع إطار يتفق عليه لصورة يحمع على أنها تمثل الدين. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يفعله كاتب، هو أن يكتب رأيه بوضوح فيما يعنيه من “الدين”، فلذا فعل ذلك، صار من المعروف ما قصد صاحبه منه.

تعريف الدين

وقد عرّف بعض العلماء الدين أنه إيمان بكائنات روحية تكون فوق الطبيعة والبشر،يكون لها أثر في حياة هذا الكون. وعرفه آخرون أنه أستمآلة وأسترضاء لقوى هي فوق البشر، يؤمن أنها تدير وتدبر سير الطبيعة وسير حياة الإنسان. وهو عند بعض آخر شعور وتفكير عند فرد أو جماعة بوجود كائن أو كائنات إلهية، والصلة التي تكون بين هذا الفرد أو تلك الجماعة وبين الكائن أو الكائنات الإلهية. وهو يطاق بهذا الآعتبار على الإسلام كما يطلق على اليهودية والنصرانية وعلى المجوسية وعلى غيرها من أديان سواء أكانت سماوية أم غير سماوية كما يصطلح على ذلك بعض العلماء.

وهناك تعريفات وحدود كثيرة أخرى للدين نشأت من اختلاف أنظار الباحثين بالقياس إلى مفهوم الدين. فهناك مسائل كثيرة مختلف فيها: هل تدخل في نطاق حدود الدين أو لا كما ان مفهومه قد تغير عند الغربيين باختلاف العصور. وليس من السهل وضع حدود معينة لمعنى الدين، فإن وجهات نظر الأديان نفسها تختلف في هذا الباب. وللدين في نظر الشعوب البدائية مفهوم يختلف كل الاختلاف عن مفهوم الدين عند غيرهم، ومفهومه في نظر الأقوام المتقدمة يختلف باختلاف دينها وباختلاف وجهة نظرها إلى الحياة. وهناك أمور تدخل في حدود الدين عند بعض أهل الأديان، على حين انها من الأمور الأخلاقية أو من أمور الدولة في نظر بعض آخر، ومن هنا تظهر الصعوبات في تعيين المسائل التي تعدّ من صلب الدين في نظر الجميع.

وللدين مهما قيل في تعريفه، شعائر تظهر على أهله، فتميزهم عن أتباع الديانات الأخرى،كما في العبادات والمأكولات والمعابد واللغات وما شاكل ذلك، ولهذه الأمور أثر بالطبع في النواحي الاجتماعية والثقافية، إذ تطبع أتباع الدين بطابع مميز خاص.

وقد زعم بعض المستشرقبن ان لفظة “الدين” من أصل أعجمي، وأنها من الألفاظ المعربة، أصلها فارسي هو “دَينا” Daena. وقد دخلت في العربية قبل الإسلام بمدة طويلة. وترد لفظة “دين” بمعنى الحشر في الإرمية والعبرانية كذلك. وهي “دينو” في الإرمية. وتقابل لفظةDaino الإرمية لفظة الديان في العربية. وهي بمعنى القاضي في هذه اللغة. وتعني لفظة “دين” القضاء في اللغة البابلية. و “ديان” “ديونو” Dayono، الحاكم والمجازي والقاضي في لغة بني ارم. وهي بهذا المعنى في العربيه أيضاً.

والدين في تعريف علماء اللغة: العادة و الشأن. تقول العرب: ما زال ذلك ديني وديدني، أي عادتي. والدين بمعنى الطاعة والتعبد.. قد ورد قي الحديث: “كان على دين قومه”، أي كان على ما بقي فيهم من إرث ابراهيم، من الحج والنكاح والميراث، وغير ذلك من أحكام الايمان. وجاء: “كانت قريش ومن دان بدينهم،أي اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه،واتخذ دينهم له ديناً وعبادة”. ومن “دبن” الدياّن، بمعنى الحكم القاضي والقهار. ومن ذلك مخاطبة “الأعشى الحرمازي” الرسول بقوله: يا سيد الناس وديّان العرب.

والديان: الله، ومن أسماء الله.

وقد وردت هذه اللفظة في المعنى المفهوم منها في الإسلام في بيت شعر ينسب الى أميّة بن أبي الصلت.هو: كلّ دين يوم القيامة عند الل  ه إلاً دين إلحنـيفة زور.

غير أننا لا نستطيع أن نحكم بورودها في شعر أمية ما لم نثبت أن ذلك للشعر هو من شعره حقاًً، وأنه ليس بشعر إسلامي صنع ووضع على لسانه، فقد وضعت أشعار وقصائد على لسانه وعلى لسان غيره من للشعراء.

ووردت بهذا المعنى أيضاً في النصوص الثمودية. وردت في نص سجله رجل من قوم ثمود، توسل فيه إلى الاله “ودّ”، أن يحفظ له دينه، “ال ه دي ن ي ق.ي د”، ووردت في نص آخر جاء فيه: “بدين ود امت”، أي “بدين ودّ أموت”، أو “على دينُ ود أموت” فاللفظة إذن من الألفاظ اللعربية الواردة في النصوص الثمودية، وقد يعثر عليها في نصوص جاهلية مدوّنة يلهجات عريية أخرى.

تصنيف الأديان

ويصنف بعض العلماء،الأديان، إلى صنفين:أديان بدائية Primitive Religions، وأديان عليا The Higher Religions، غير لن هذا التقسيم لا يستند إلى التسلسل الزماني، وإنما يقوم على أساس دراسة أحكلم الدين وعقائده وعمق أفكاره. فالأديان التي تقوم على افكار بدائية وعلىاللسحر Magic وعلى المبالغة في التقديس وتقديم القرابين Sacred،والتي تنحصر عبادتها بأفراد قرية أو قبيلة واحدة، وأمثاله ذلك مما يشرحه علماء تأريخ الأديان وعلماء فلسفة الأديان، هي من أديان الصنف الأول. فإذا توسع مجال الدين وشمل قبائل عديدة، وتعمق في احكامه وفي تشريعه وفلسفته، وصار الإله أو الآلهة الها ذا سلطان واسع أو آلهة ذات سلطان ولسع عد” الدين من الأديان العليا.

وأما تقسيم الأديان إلى أديان قبيلية Tribal Religions و”أديان قومية” National Religions “وأديان مطلقة عامة” “Absolute Religions” “Universal Religions” فانه، وأن كان تقسيماً واضحاً ظاهراً بالقياس الى الطرق الاخرى لتقسيم الأديان، يرد عليه أنه تقسيم بني على أسس وحدود ليست لها أرض صلبة فى جوهر الدين وأركانه، فهو بعيد عن المبادىء الأساسية التي تجب مراعاتها في تقسيم كل علم أو موضوع. كذلك تجابه للتقسيم الثلاثي للأديان إلى أديان “الطبيعة” Nature Religion. و “ديانة الشريعة” Geztzes Religion، و “ديانة الخلاص” Erlosungs Religion عند بعض العلماء الألمان صعوبات كبيرة تجعل السير على أساسه في درلسة تطور الدين أمرأ عسيرا شاقاً.

دراسة تاريخ الأديان

وتستند دراسات علماء تاريخ الأديان لتطور الأديان والأدوار التي مرت بها إلى درلسة أمور كثيرة تاريخية ونفسية واجتماعية واقتصادية،ولهم في ذلك جملة طرق، منها طربقة الدرلسات آلمقارنة The comparative Method، وهي تعتمد كما يتين من أسمها على المقارنات بين الأديان، فتتناول جميع النواحي بالبحث، لتجد ما بينها من مطابقات وّمفارقات. ومنها طرق البحث التأريخي والاجتماعيHistorical and Sociological Methods وتستند إلى الدراسات للتأريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجغرافية وللعوامل الأخرى، للناس وللمنطقة للتي عاشوا فيها، وأثر كل هذه العوامل في نمو الافكار الدينية وظهورها، وطرق عديدة أخرى تذكر في كتب تواريخ الأديان.

وقد تقدمت دراسة تأريخ الأديان تقدما كبيراً، ولا سيما بعد اتساع أساليب الطرق التجريبيهّ والبحوث المقارنة والتحليل النفسي في هذه الدراسة. وظهر بحث جديد شائق طريف، هو “فلسفهّ الدين” The Philosophy of Religion أفاد كثيراً في معرفة دراسة تطور الأديان ومبادئها الأساسية، كما ظهرت فروع أخرى كهذا الفرع لها صلة بدراسة الدين وتقدمه، كالفرع النفسي الذي يعتمد على الدرلسات النفسية للدين، وهو فرع نستطيع أن نسميه ب “علم النفس الديني” The Psychology of Religion في الانكليزية و Religionspsycologic في الألمانية. وكالفرع الذي يعتمد على أساليب بحث الاجتمآع وطرقه لدراسة الدين باعتبار أن الدين نفسه ظاهرة من ظواهر الحياهّ الاجتماعية.

وهناك عوامل عديدة لها أثرها في تطور الأديان، وفي “تكييفها”، منها أثر العوامل “الطبغرافية” Topographic Factors و أثر “المحيط” Climatic Factor وأثر الحالات النفسية في تكييف الدين، وفي تصور الناس لآالهتهم. ولهذا تصور اليونان مثلا آلهتهم على شاكلتهم،. تصوروها ذات أخلاق وصفات تشبه أخلاق البشر وصفاتهم، تتخاصم وتتصادق وتتباغض ويحسد بعضها بعضاً، تشرب الخمر وتحزن وتفرح، وتسرق أيضاً. ونجد في ال “ايدا” Edda نفسية الشعوب الشمالية الأوروبية ممثلة في الأساطير التي تتحدث عن الآلهة والأبطال.

ويظهر أثر العوامل المذكورة في الديانة الهندية القديمة، وهي من الديانات الآرية، وفي الديانة المجوسية، وهي من أهل السهول وديانات أهل الجبال، وبين ديانات الساميين الشماليين وديانات الساميين الجنويين، يظهر في الأساطبر “Mythology” وفي تصور آلالهة وتقديمها وتاخيرها وما شابه ذلك من أمور.

ولشكل المجتمع أثره كذلك في تطوير الدين وفي أحكامه. فمجتع يقوم على الزراعة يختلف في تفكيره عن مجتمع يعيش على الصناعة أو على الرعي في بوادٍ واسعة، كذلك للسياسة ولأشكال المجتمعات السياسية دخل في تطور الأديان. وقد كان التعاون وثيقاً جداً في الأيام الماضية خاصة بين السلطات الزمنية وبين السلطات الدينية حتى كان الحكام الزمنيون كهاناً في كثير من الأوقات، كما حدث أن وقع اختلاف بين اللسلطتين أدى إلى حدوث تغيبر في عقيدة الحكومة أو أكثرية الشعب.

وطالما أدى قهر مدينة أو قبيلة أو شعب إلى قهر آلهتها معها وموتها، والى عبادة آلهة القاهرين المتغلبين باعتبار أنها أقوى وأعظم شأناً من آلهة المغلوبن التي لم تتمكن من حمايتهم من تعديات الغالبين. وقد تبقى تلك الآلهة فتندمج في آلهة المغيرين، فيزداد بذلك العدد، وتتعدد الالهة، وتختلط الأساطير بعضها ببعض وتتداخل. ولهذه الناحية أهمية كبيرة في تحليل عناصر هذه الأساطير، ورجعها إلى منابعها الأولى. كذلك يكون للجوار وللصلات التأريخية والروابط الثقافية أئر في ديانات الشعوب وفي “تكييفها” ويكون للثقافة خاصة آثر بارز في هذا التوجيه. غير أن للاديان كذلك أثرها في توجيه الأفراد والقبائل والشعوب، وفيما ينتج عن عمل الإنسان من مجتمعات وسياسة وثقافة واقتصاد. فهذه نواحٍ يجب أن تلاحظ كلّها في دراستنا لتأريخ الأديان. هذا ويجب ألاّ نتصور أن أديان العرب قبل الإسلام لم تتأثر بمؤثرات خارجية. فلم تأخذ من الأمم والشعوب التي اتصلت بها شيئاً، جرياً على نظرية القائلين بعزلة العرب وبعدم اتصالهم بالخارج، وبانهم بدو، لا علم لهم ولا رأي ولا دين. وهي نظرية نشأت عن عدم وقوف القائلين بها بأحوال العرب قبل الإسلام. وإذا وافق أولئك على أن اليهودية والنصرانية كانتا في جزيرة العرب قبل الإسلام كما نص على ذلك القرآن الكريم، وأن من العرب من نهان على دين يهود، وأن منهم من كان على دين النصارى، فلن يستطيعوا إنكار ورود اليهودية والنصرانية إلى العرب من الخارج بعمل الهجرة والتبشير والاتصال بفلسطين والعراق. وسيوافقون أيضاً على أن الوثنيين قد تأثروا كذلك بوثنية غيرهم،كما نص على ذلك الاخباريون وانهم أثروا في غيرهم أيضاً.

مصادر معرفة أديان العرب

إن معارفنا عن أديان العرب قبل الإسلام مستمدة في الدرجة الأولى من النصوص الجاهلية بلهجاتها المتعددة من معينية وسبئية وحضرمية وأوسانية وقتبانية وثمودية ولحيانية وصفوية، وهي نصوص ليس من بينها نص واحد ويا للاسف في أمور دينية مباشرة، مثل نصوص صلوات أوأدعية دينية أو بحوث في العقائد وما شابه ذلك. غير أن هذه النصوص المذكورة،ومعظمها كما قلت سابقاً في أمور شخصية، حوت مع ذلك أسماء آلهة ذكرت بالمناسبة، وبفضلها عرفنا أسماء آلهة لم يصل خبرها إلى علم الأخباريين ؛ لأن ذكرها كان قد انطمس وزال قبل الإسلام.

ومن هذه النصوص استطعنا أن نستخرج آلهة القبائل العربية القديمة، وأن نرجعها إلى المواضع التي كانت تتعبد بها لها، وأن نعين العصور التي كان الناس فيها يتعبدون لها على وجه التقريب.

كذلك تعدّ الكتابات والنقوش المدونة ببعض اللغات الأعجمية كالآشورية والعبرانية واليونانية واللاتينية ولغة بني إرم، مورداً مفيداً لمعرفة أديان العرب قبل الإسلام بعد النصوص العربية. فقد وعت أسماء أصنام ةديمة نصت عليها، وبذلك ساعدتنا في الوقوف على عبادتها وعلى من تعبّد لها من قبائل.

وأما أديان العرب قببل الإسلام وعند ظهوره، فالقرآن الكريم هو مرجعنا في هذا الباب. فنيه ذكر لما كان عليه الناس ولا سيما أهل مكة ويثرب والحجازمن عبادات وآراء، وفيه أسماء بعض الأصنام الكبرى التي كانت تتعبد لها القبائل.

وفي تفسير القرآن الكريم تفصيل وشرح لما جاء موجزاً في الآيات البينات، ويضاف إلى ذلك ما ورد عن هذا الباب في الحديث.

وفي الشعر المنسوب إلى الشعراء الجاهليين اشارات إلى بعض عقائد الجاهليين، والى بعض الأصنام، تعرض لها شّراح الدواوين بالمناسبات، وترد هذه الإشارات في القصص المروى عن أخبار الجاهليهَ وعن أنساب قبائلها وأيامها وامثال ذلك وفي كتب الأدب و اللغة والمعجمات، وهي تعيننا بالطبع على زيادة مادتنا في هذا الوضوع.

ويضاف إلى ذلك ما ورد في كتب السير والمغازي وفي كتب التواريخ من كتب خاصة مثل تأريخ مكة، ومن كتب عامة عن عبادات القوم قبل الوحي وفي أثناء الوحي وعن أمر الرسول بتحطيم الأصنام والأوثان. وقد ورد بهذه المناسبة أوصاف يعضها، وذكرت بعض المواضع التي كانت قائمة فيها، والقبائل التي كانت تتعبد لها، وما أدير حول بعضها من قصص، أو ما قيل عنها في الجاهلية وفي تحطيمها من أقوال.

ومما يجب علينا ملاحظته، لن الشعر الجاهلي الذي أمدنا بفيض من معارف قيمة عن الجاهلية القريبة من الإسلام، لم بمدنا بشيء مهم عن الحياة الدينية عند الجاهلين، فكأنه أراد مجاراة من دخل في الإسلام في التنصل من أيام الجاهلية ومن للتبرؤ منها، ومن غض النظر عن ذكر أصنام حرمها الإسلام. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى ان رواة الشعر في الإسلام، قد أغفلوا أمرالشعر الجاهلي الذي مجد الأصنام والوثنية، وأهملوه، فلم يرووه، فمات، وان بعضاً منهم قد هذب ذلك للشعر وشذبه، فحذف منه كل ما له علاقة بالأصنام والوثتية، ورفع منه لسماء الأصنام، وأحل محلها اسم الله، حيث يرد اسم الصنم. فما فيه اسم الله في الشعر الجاهلي،.كلن اسم صنم في الأصل.

وقد الف بعض العلماء مؤلفات خاصة في الأصنام، وصل إلينا منها كتاب “الأصنام” لابن الكلبي. أما المؤلفات الأخرى، فلم يصل للينا منها إلا الاسم.

وممن ألف في هذا الموضوع ابو الحسن علي بن الحسين بن فضيل ين مروان، والجاحظ. وقد استفاد ياقوتّ الحموي في كتابه “معجم البلدان” من كتاب “الأصنام” لابن الكلبي، وأورد ما أخذه منه في الكتاب، أما النسخة التي اعتمد الحموي عليها، فكانت في عالم مشهور وبروايته هو الجوالقي.

وقد تعرض ابن الكلي لذكر الوثنية والأصنام فى مؤلفاته الأخرى عرضاً، وأشار “ياقوت الحموي” في بعض المواضع إلى رواياّت أخرى لابن الكلبي عن الأصنلم، ذاكراً انها ليست من كتاب “الأصنام”. كما استقى من منيع آخر، هو محمد بن حبيب.

وقد ألف أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع كتاباً في أديان العرب وأرائهم، اسمه “آراء للعرب وأديانها”، وقف عليه ابن أبي الحديد، وأشار إلى بعض هفوات رآها فيه. وللجاحظ مؤلف اسمه “أديان العرب” استفاد منه أيو الفتح محمد بن عبد للكريم الشهرستاني. وبالرغم من فضل من تقدم ممن ذكرت وممن لم أذكر، على دارس التاريخ الديني للجاهليين فإنهم عفا الله عنهم، لم يتعمقوا تعمقاً كافياً في بحوثهم عن الوثنية، ولم يتحرشوا بها في الغالب، إلا بسبب اتصالها بالإسلام، ثم إن في كثير مما ذكروه عن الوثنية طابع السذاجة وأسلوب الصنعة. وهو في أحوال الوثنية في الحجاز وعند القبائل التي ورد لها ذكر في حوادث الإسلام في أيام الرسول، في مثل قدوم وفود سادات القبائل على النبي، وأمر الرسول بتحطيم الأصنام. ولهذا لا نجد للوثنية في بقية مواضع جزيرة العرب، مكاناً فيما كتبه أولئك العلماء عن الأصنام والأوثان أو الزندقة. ثم إن في الذي ذكروه وكتبوه تناقض محير، وتنافر عجيب، يجعلك تشعر، ان رواة تلك الأخبار، لم يكونوا يملكون يومئذ أدوات النقد لصقل ما سمعوه من أفواه الرواة، وما نقلوه عمن أدرك الجاهلية من أقول، أو انهم كانوا يعمدون إلى الوضع أحياناً: لصنع أجوبة عن أسئلة وجهت اليهم في أمور لم يأتهم علم بها من قبل.

خذ ما ذكره “الطبري” في تفسيره عن اللات والعزى ومناة، تجده يروي أقوالاً ذكر سندها تتناقض فيما بينها بشان هذه الأصنام، وبشأن بيوتها ومواضعها، مما يدل على أن رواة تلك الأخبار لم يكونوا على علم بأخبارها ولا وقوف على حقيقتها، بدليل أن كل واحد منهم ناقض غيره فيما قاله، وأن أحدهم يذكر خبراً ثم يعود فيذكر ما يناقضه. حدث كل ذلك في أمور كانت باقية إلى ما بعد فتح مكة، فكيف حالهم اذن في الأمور البعيدة نوعاً ما عن الإسلام.

ولا تتناول الموارد الإسلامية بعد، إلا الوثنية القريبة من الإسلام والوثنية التي كانت متفشية بين قبائل الحجاز في الغالب، وبين القبائل التي اعتمد عليها رواة الأخبار في جمع اللغةوالأخباز لذلك لا نجد فيها ذكراً للوثنية البعيدة عن الإسلام، فلم يرد فيها مثلاً أي شيء عن “المقه” إله سبأ الأكبر ولا عن بقية الآلهة العربية الجنوبية الكبيرة مثل “عثتر”، وعن دين العرب الجنوبيين وشعائرهم، ولاعن معبودات قبائل العربية الشرقية: أو قبائل العراق أو بلاد الشام في الأزمنة البعيدة أو القريبة من الإسلام.

وأما أخبارها عن اليهودية والنصرانية، فقليلة جداً، قصتها وروتها لما لها من تماس وصلة بما جاء في القرآن الكريم، أو لما لها من علاقة بأيام الرسول. ولهذا صارت خرساء صامتة بالنسبة إلى أحوال أهل الكتاب في بقية أنحاء جزيرة العرب أو في العراق وفي بلاد الشام. فلم تتحرش بهم إلا بقدر. وبسبب ذلك صارت معارفنا عنهم قليلة جداً. وقد كان في إمكان أهل الأخبار جمع معلومات واسعة عن النصرانية في العراق قبل الإسلام، برجوعهم إلى رجال الدين النصارى الذين كانوا في الحيرة وفي مواضع أخرى من العراق، وهم رجال لهم علم واسع بهذه الأمور، لكن اختلافهم عنهم في الدين على ما يظهر، وانصرافهم إذ ذاك عن رواية كلّ ما يتعلق بالأمور الجاهلية خلا ما يتعلق يالنواحي القبلية وبالنواحي الأدبية واللغوية، كانا من العوامل التي أدت إلى غض نظرهم عن البحث في هذه الأمور.

وبفضل إقرار الإسلام لبعض أحكام وشعائر الجاهلين، استطعنا الوقوف كل جانب من أحكامهم و شرائعهم. فعرفنا بذلك بعض شعائر الحج من حجّ مكة، وبعض أحكامهم وآرائهم في الدين ووجهة نظرهم إلى الحلال والحرام، والتقرب إلى بيوت الأرباب وفي ذلك. وما كان في وسعنا الوقوف عليها لولا تعرض الإسلام لها بالإقرار والتثبيت. أو بالتحريم والنهي،فأشير إلى كلّ ذلك في القرآن الكريم وفي كتب التفسير وأسباب النزول والحديث.

وقد عُني المستشرقون بهذا الموضوع، فكتبوا بحثوا فيه ومن هؤلاء “ولهوزن” J.Wellhausen صاحب كتاب “بقابا الوثنية العربية” Arabischen Heidentumes و “دتلف نيلسن” Ditlef Nielsion و ” لودولف كويل ” Ludolf Krehi وَغيرهم.

وقد اعتمد “ولهوزن” على ما نقله “ياقوت الحموي” من كتاب الأصنام ومن غيره، ذلك لأن كتاب الأصنام لم يكن مطبوعاً ولا معروفاً ايام اْلف “ولهوزن” كتابه عن الوثنية العربية.

ويعدّ كتاب “ولهوزن” أوسع مؤلف في موضوعه كتبه المستشرقون عن الوثنية العربية. وقد كتب المستشرقون حديثاً جملة بحوث عن الأصنام العربية التي عثر عليها في الكتابات فات ذكرها في كتاب “ولهوزن”، لأن أكثر النصوص الجاهلية لم تكن قد نشرت يومئذ، ولأن كثيراً منها قد نشر حديثاً، فلم يكن في استطاعة “ولهوزن” بالطبع أن يبحث في شيء من التفصيل في الوثنية ببلاد العرب الجنوبية. لذلك كان أكثر ما جاء في كتاب “ولهوزن” مستمداً من روايات الأخباريين. فمن الضروري إضافة هذه البحوث الجديدة إلى ما كتبه هو وأمثاله، لنحصل على صورة شاملة عن أديان العرب قبل الإسلام.

الأعلام المركبة:

وتفيد الأعلام الجاهلية المركبةTheophorus Names المدونة في للنصوص الجاهلية وفي الموارد الإسلامية فائدة كبيرة في معرفة الأصنام، وفي تكوين فكرة عنها. ففيها أسماء آلهة، وفيها بعض الصفات الإلهية التي كان يطلقها الناس على آلهتهم. وفي هذه الأسماء المركبة عند بقية للشعوب السامية كذلك. ومن مقارنة هذه الأسماء بعضا ببعض، استخرج العلماء آلهة اشترك في عبادتها جميع الساميين. ونعني بTheophorus Names الاعلامَ المركية من أسماء آلهة ومن كلمات اخرى مثل “عبد” و “عطية” و “امرئ” و “أوس” و “عائذ” و “جار” و “عوذ” و “وهب”. ترد قبل اسم الإلهَ أو بعده، فيتألف منها ومن أسماء الآلهة أسماء أعلام، مثل عبد الأسد،وعبد الله، وعبد سعد، وعبد العزّى، وعبد محرق، وعبد ذي الشرى، وعبد يغوث، وعبد ودّ، وعبد قيس، وعبد شمس، وامرىء القيس، وأمثال ذلك من أعلام.

ومعظم هذه الأعلام المدونة في مؤلفات الإسلاميين، لسماء أشخاص عاشوا في الجاهلية القريبة من الإسلام، حفظتها ووعتها ذاكرة الرواة، ومنهم تناقلها أهل الأخبار. والغالب عليها الابتداء بكلمة “عبد” للرجال و “أمت” أي أمة للنساء، ترد قبل اسم الصنم. أما الأسماء المبتدأة بكلمات أخرى غير “عبد”، فمثل “أحمس الله” و “امرئ مناة”، و “امرئ القيس”، و “أنس الله” و “أوس الله”، و “تيم اللات”، و “خيليل”، و “زيد اللات” ؛ و “زيد مناة”، و ” سعد لللات”، و “سعد مناة”، و “سعد ودّ ” و “سعد العشيرة”، و “سكن اللات”، و “سلم اللات”، و “شراحيل” و “شرحيل”، و “شرحبيل”، و “شكم اللات”، و “شهميل”، و “شيع للقوم”، و “عائذ الله”، و “عمرو لللات”، و “عوذ مناة” و “عينيل”، و “قسميل”، و “مطرويل”، و “وهب لللات”. وهي قليلة من حيث الاستعمال بالقياس إلى الأعلام المبتدأة ب “عبد.

ويلاحظ على بعض الأعلام المركبة، مثل عمرو اللات، وعوف إيل، وجد اللات، وسعد مناة، وودّ ايل، ان الكلمات الأولى من هذه الأسماء تتأخر في أعلام أخرى ؛ فتسبق بكلمة توضع قبلها فيتكون منها علم مركب جديد كما في الأسماء آلاتية: عبد عمرو، وعبد عوف، وعبد جد، وعبد سعد، وعبد ودّ، وقد كانت متقدمة في الأعلام الأولى. أما في هذه الأعلام فصارت في المنزلة الثانية.

وهذه الأسماء التي حفظتها ذاكرة أهل الأخبار، تخالف أكثر الأعلام العربية والسامية القديمة المدوّنة في النصوص وفي مؤلفات اليونان والرومان والسريان وغيرهم من حيث الصيغ والتراكيب. فقد ابتدأت هذه الأعلام كما رأينا بكلمات تلتها أسماء الآلهة. أما الأعلام القديمة، فقد كانت على العكس تبدأ باسم الصنم،وبعده الألفاظ الأخرى، مثل: “الشرح” “ايل شرح” و “إليفع” “ايل يفع” و “الذرح” “ايل ذرح” و “الكرب” “ايل كرب” و “السمع” “ايل سمع” و “اليثع “ايل يثع” وأمثال ذلك. أو تبدأ.كلمات ثم تليها أسماء الأصنام، إلا أنها ليست في حالة الإضافة، بل على صورة الإخبار والفاعلية، مثل “يذكر ايل” و “يثع ايل” و “يدع ايل” و “يشرح ايل” و”يسمع ايل”، و “ايل” “ال” هنا هو اسم الإله ” ال” “ايلو” المعروف عند جميع الساميين.

وقد يوضع حرف الجر، وهو “اللام” “لامد” في الاسم، ليدل على تعلق الاسم بالإلَه، مثل “لحي عثت” في النصوص العربية الجنوبية، وقد عثر على طائفة من هذه الأعلام في الكتابات الفينيقية والعبرانية.

وقد تهمل الكلمة الثانية من الاسم المركب، ويقتصر على اللفظة الأولى، كما في: أوس، وزيد، ووهب، وتيم،، وسعد، ونصر، وعائذ، وعبد، وأمثال ذلك من أعلام. فإنها اختصار ل “أوس الله”، و ” زيد اللات”، و “زيد مناة”، و “وهب اللات”، و “تيم اللات”، و “سعد مناة” و “سعد ودّ “، و “سعد اللات”، و “نصر اللات”، و “عاثذ الله” و “عبد ود”، وغير ذلك. وقد يحدث العكس، فتسقط الكلمة الأولى، وتبقى الكلمة الثانية التي هي اسم الإلهَ، ويصير هذا الاسم اسماً لشخص أو لأسرة أو لقبيلة، مثل: مناف، وغنم، وشمس، وإسا ف، ونائلة، وزهرة، وقيس، وعُطارد، وهبل، وجدّ، وأمثال ذلك. فإن هذه هي أسماء آلهة في الأصل، سبقت بكلمات مثل “عبد”، ثم أهملت هذه الكلمات الأولى، وبقيت أسماء الآلهة حية، ولكنها صارت أسماء لأشخاص وأسر وقبائل، تسبقها لفظة “بنو” في بعض الأحيان، لتدل على الانتماء إلى ذلك الاسم. ولهذا الانتماء أهميةكبيرة في نظر الباحثين في فلسفة الأديان وتأريخها.

ويلاحظ أن بعض الأعلام المركبة المبتدأة ب “عبد ” مثلاَ، لا تتكون كلمتها الثانية من اسم إلهَ، إنما تكون اسم موضع أو اسم شخص أو اسم جماد، مثل: عبد حارثة، وعبد المطلب، وعبد أمية، وعبد الدار، وعبد الحارث، وعبد ألحجر، وما شاكل ذلك. ولبعض العلماء تفاسير وتعليلات في العوامل التي أدّت الى هذه التسميات: منها أن بعض هذه الأسماء هو لآلهة قديمة، نسيت فظن أنها أسماء أشخاص: وأن بعض آخر منها هو أسماء أشخاص كانت لهم قدسية أو منزلة خاصة، فتبرك الناس بتسمية أولادهم عبيداً لهم، وهو شيء يحدث حتى الآن، إذ نقول عبد المسيح، وعبد الرسول وعبد علي، وعبد الأمير، وعبد الزهرة. وعبد محمد، وان بعضا اخر هو مسميات لمجتمعات، مثل عبد اهله، و عبد العشيرة، و سعد العشيرة، أو أنه نسبة الى طوطم أو جماد مقدس في نظر الناس.

وقد قضى الإسلام على الأسماء الوثنية، كما قضى كثير من معالم الجاهلية، فأستبدل من أسلم اسمه الجاهلي الذي له صلة بصنم أو بشرك ياسم إسلاميِ، وبذلك زالت تلك اتسميات. كما زالت أكثر التسميات اليهودية والنصرانية بدخول أصحابها في الإسلام. وهذا شيء مألوف في تاريخ الإنسان. فقد قضت اليهودية على الأسماء الوثنية القديمة، وعوضت عنها بأسماء يهودية ذات صلة بالتوراة ” وقضت النصرانية على الأعلام الوثنية أو طورتها لتكون ملائمة مع النصرانية، وهكذا.

حدث في الأديان الأخرى، بل وهذا ما يحدث اليوم في كثير من أنحاء العالم القلقة عند وقوع انقلابات سياسية، جث تتناول الأسماء أيضاً بالتغيير والتبديل، لتناسب الوضع الجديد.

وقد ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من الصحابة، كانت أسماؤهم ذات صلة بالأصنام، فلما أسلموا أبدلها الرسول بأسماء اسلاميه. فقد كان أسم كاتب النبي “عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم” “عبد يغوث” فلما أسلم دعي “عبد الله”. وكان اسم “عبد الله بن أصرم بن عمرو بن شعيثة” الهلالي “عبد عوف بن أصرم”، فلما قدم على النبي، فقال، من أنت ? قال عبد عوف. قال النبي: أنت عبد اللَه، فأسلم. ونجد غيرهما وقد أبدل الرسول أسماءهم، حتى صار من يسلم يبدل اسمه إن كان له صلة بصنم، حتى ماتت الأسماء الجاهلية التي هي من هذا القبيل.

الأساطير الدينية:

والأساطير Myth=Mythos، ونعني بها هنا الخرافات والأقاصيص، المتعلقة بالآلهة Legand. هي مصدر مهم لمعرفة تطور الأديان وتطور فكرة الالوهية عند الشعوب. وهي قد تكون شعراً، وقد تكون نثراً، وفي كلتا الحالتين تكون مادة خصبة للباحثين.

ومعارفنا عن الأساطير العربية الدينية قليلة جداً. وهذا مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن العرب لم تكن لهم أساطير دينية عن آلهتهم، كما كان عند غيرهم من الأمم كاليونان والرومان والفرس وعند بقية الآريين، بل حتى عند بعض الشعوب السامية الأخرى مثل البابليين. وفي رأيي أننا لا نستطيع أن نجزم في مثل هذه الأمور، لأن أحكامنا عن اليونان والرومان والبابليين إنما استنبطناها من نصوص ومؤلفات وصلت إلينا. أما العرب الجاهليون، فلم يصل إلينا منهم حتى الآن نص ما في هذا الموضوع، يمكننا من الحكم بعدم وجود الأساطير الدينية عند العرب الوثنيين.

ومشكلتنا أننا لا نملك كما قلت نصوصاً دينية جاهلية، ولا كتباً كتبها يونان أو لاتين أو سريان أو غيرهم عن أساطير العرب في الجاهلية نستطيع استخراج حكم منها عن أساطير العرب. ولكن هذآ الوضع لا يخولنا نفي وجود الأساطير عند العرب، بحجة بداوتهم وضيق أفقهم وبساطة تفكيرهم، كما أنه لا يخولنا أيضاً الحكم بوجود أساطير عندهم من طراز عال كما نجده عند اليونان مثلا. ويتبين من بعض روايات الأخباريين، وهي قليلة، أن العرب كانت لهم أساطير كالذي رووه من أن “العيَوق” عاق “الدبران” لما ساق إلى الثريا مهراً، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجماً، فهو يتبعها اًبداً خاطباً لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص وكالذي رووه عن “العَبُور” و “الغُميصاء” و”سهُيل”. وقد كانت هذه النجوم مجتمعة، فانحدر سهُيَل فصار يمانيأَ، وتبعته العَبوُر فعبرت المجرَةَ، وأقامت الغُميَصْاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت.وكالذي رووه من أن “الز هرة” كانت امرأة جسناء، فصعدت إلى السماء ومسخت نجماً، وأمثال ذلك من قصص يظهر أنه من يقايا قصص أطول قديم.

وإذ. لم تصل إلينا نصوص دينية جاهلية، صعب علينا تكوبن فكرة صحيحة عن مفهوم الدين عند العرب، وعن كيفية عبادتهم لآلهتهم، وعن كيفية تصورهم للآلهة، خاصةً عند العرب الذين عاشوا قبل الميلاد.

وقد تعنينا أسماء الآلهة والأعلام المركبة في تكوين وجهة نظر عن صفات آلهة الجاهليين. فكلمات مثل “ودّ” و “شرح” و “سعد” و “سمع”، أو تعابير شل “ذت حمم” “ذات حميم” و ” ذت صنتم” “ذات صنتم ” و “ذت رحبن” “ذات رحبن” و “ذت بعدن” “ذات بعدن” “وذ قبضم” “ذو قبضم” وما شابه ذلك، لا بد أن تكون لها معان خاصة تشير إلى صفات الآلهة التي قيلت لها، فتفيدنا في فهم عبادة الجاهليين وتفًكيرهم في تلك الآلهة. وإذا كانت بعض أسماء الآلهة أو صفاتها واضحة مفهومة تمكن الاستفادة منها في تكوين فكرة عن الآلهة، فإن هناك بعضاً آخر يحيط بمعناه الغموض، فلا نستطيع شرح معناه أو ترجمته إلى اللغات الأخرى. وليس من المعقول بالطبع عدم وجود مدلول أو مراد لأسماء هذه الآلهة عند من وضعها لها، ونسبها اليها، وانما المعقول هو ان هذه المسميات نسيت بتقادم الزمن وبزوال دولتها وعظمتها من الوجود، وضاعت معالمها، فلم يبق منها إلا الأسماء المجردة. ولعل معانيها كانت غامضة حتى على من كان يتعبد لها، لاختفائها منذ زمن طويل، وعدم ورود نصوص مدونة إلى المتعبدين لها في هذه المعاني،وهذا شيء مألوف معروف. وتختلف نظرة الإنسان إلى الخالق والخلق باختلاف تطوره ونمو عقله، ولهذا نجد فكرة “الله” “الإلَه” التي تقابل كلمة Deus في اللاتينية وكلمة Theos في اليونانية وكلمة God في الانكليزية، تختلف باختلاف مفاهيم الشعوب ودرجات تقدمها. فهي عند الشعوب البدائية القديمة والحديثة في شكل يختلف عن مفهومها عند الشعوب المتحضرة. كذلك اختلفت عند سكنة البوادي عن سكنة الجبال والهضاب،ويختلف مفهوم فكرة الله عند الشعوب السامية عنها عند للشعوب الآرية، لأسباب عديدة يذكرها علماء تاًريخ الأديان. بل يختلف هذا المفهوم في داخل الشعب الواحد، يختلف فيه باختلاف ثقافة الإنسان وتقدم مداركه العقلية، فتصور كل انسان خالقه على قدر عقله ودوجة ثقافته، صوره وكأنه مرآة صافية لنفسه ولدرجة نمو عقله. ومن هنا قيل: ان الإنسان يصنع إلهه بنفسه، أي يصوره على نحو صورته ومبلغ تفكيره.

يقول ” أكسينوفان” Xenophanes: “تصور الأحباش آلههتهم فطس الأنوف، سوداً. وتصور أهل “تراقية” Thracians آلهتهم ذوي عيون زرق وشعر أحمر. وزعم اليونان أن تصورهم للالهة هو التصور للصحيح، أما تصور الزنوج وأهل تراقية عن آلهتهم، فهو تصور فاسد باطل ! ولو كان للماشية والخيل والسباع أيد تتمكن من الرسم والنحت، لرسمت الخيل آلهتها على صورة خيل،ولنحتت تماثيلها على صورتها، ولرسمت الماشية ونحتت آلهتها على صورتها وهيئتها، تماماً كما يصور الإنسان وينحت آلهته على صورته وقدر إدراكه. كل صنف يتصور ويرى آلهته على صورته”. وقد نسب اليونان إلى آلهتهم كل الصفات والأعمال الانسانية المعروفة بين اليونانيين، فتصوروهم على هيئة بشر، لهم الفضائل، ولهم الرذائلْ، يتزوجون وينسلونُ ويحبون ويعشقون ويسرقون ويكرهون ويتخاصمون بينهم ويتحاسدون ويقومون بأقبح الأعمال كما يفعل الإنسان.

وهناك أشكال عديدة للعبادة، تمثل تعدد وجهة نظر الإنسان بالقياس إلى مفهوم الألوهية لديه. فهناك عبادة تسمى عبادة آباء القبائل، حيث أسبغ على أجداد القبائل ما يسبغ عادةً على الآلهة من نعوت وصفات. وتجد هذه العبادة عند القبائل البدائية. وقد يكون هؤلاء الأجداد أجدادا حقيقيين، وقد يكونون أشخاصاً خلقتهم الأساطير. ومهما يكن من شيء، فقد أعطي هؤلاء صفات الربوبية ونعوتها، و نظر إليهم نظرة من فيه قوى خارقة ذات هيمنة على العالم والخلق. وقد اصطلح على تسمية هذه العبادة ب All Fathers في الانكليزية وب Verehrung des Stammesvaters و ب Urvaters في الالمانية، لأنها تقوم على أساس عبادة الأجداد.

وأله بعض الناس الظواهر الطبيعية، لتوهمهم أن فيها قوى Spirit روحية كامنة مؤثرة في العالم وفي حياة الإنسان،مثل الشمس والقمر وبعض النجوم الظاهرة. وقد كانت الشمس والقمر أول الأجرام السماوية التي لفتت أنظار البشر اليها، لما في الشمس من أثر بارز في الزرع والأرض وفي حياة الإنسان بصورة مطلقة. كذلك للقمر أثره في نفس الإنسان بما يبعثه من نور يهدي الناس في الليل، ومن أثر كبير يؤثر في حس البشر. فكانا في مقدمة الأجرًام السماوية التي أّلهها الإنسان. عبدهما مجردين في بادىء الأمر، أي دون أن يتصور فيهما ما يتصور من صفات ومن أمور غير محسوسة هي من وراء الطبيعة. فلما تقدم وزادت مداركه في أمور ما وراء الطبيعة، تصور لهما قوى غير ُمدْركة، وروحاً، وقدرة، وصفات من الصفات التي تطلق على الآلهة. فخرجتا من صفتهما المادية البحتة ومن طبيعتهما المفهومة، وصارتا مظهراً لقوى روحية لا يمكن إدراكها، إنما تدرك من أفعالهما ومن أثرهما في هذا الكون.

وإذا كانت هذه العبادة قد اقتصرت على الظواهر الطبيعية البارزة المؤثرة، فإن هناك توسعاً في هذه العبادة تراه عند بعض الأقوام البدائية، يصل إلى حد تقديس الأحجار والأشجار والآبار والمياه وأمثال ذلك، إذ تصوروا وجود قوى روحية كامنة فيها، فعبدوها على أن لها أثرا خطيراً في حياتهم. ونجد في أساطير الشعوب البدائية أن الإنسان من نسل الحيوان ومن الأشجار أيضاً، كذلك تجد أمثلة عديدة من هذا القبيل في أساطير اليونان والرومان والساميين.

وهناك الشرك، وهو عبادة آلهة عديدة، كما ان هناك عقيدة التوحيد التي تدين بوجود إله واحد خالق لهذا الكون. وليس للشرك با الطبع عدد معين من الالهة، فقد يكون بضعة آلهة، وقد يكون عشرات. والشرك هو الدين المعاكس لدين التوحيد، ويعرف بإسم: Polytheism في الانكليزبة من كلمة Polys اليونانية ومعناها”كثير” و “تعدد”، ومن كلمة يونانية ثانية هي Theos وتعني “الإلَه” “الآلهة”. ويختلف الشرك عن عقيدة ال Polydaemonism القائلة بوجود ألأرواح والجن من حيث الطبيعة Nature، كما يختلف عن أد.يان التوحيد Monotheism من حيث القول بتعدد الآلهة، وعن القائلين بمبدأ “الحلول” “Panatheism ” من حيث حلول الإلَه في الخلق والخلق في الإلَه.

دلالات لفظ الإله

وتطلق في العربية كلمة “إله” على الإله الواحد، وكلمة “آلهة” في حالة الجمع، أي في حالة القول بوجود آلهة عديدة. وتقابل كلمة “إلهَ” كلمة “اياوه” Eloh=Eloah في العبرانية الواردة في سفر “أيوب”. ومنها كلمة”إيلوهيم” Elohim في حالة الجمع، أي آلهة المستعملة في العهد القديم بالقياس إلى آلهة الوثنيين. وكلمة “إله” لا تعني على كل حال إلهاً معيناً على نحو ما تعنيه لفظة “الله” في العربية التي يراد بها اللّه الواحد الأحد ليس غير.

أما “الله”، وهي كلمة الجلالة، فهي “اسم علم” خاص به على رأي، وهي “علم مرتجل” في رأي آخر.. وقد ذهب ألرازي إلى انه من أصل سرياني أو عبراني. أما أهل الكرفة فرأوا انه من “ال إله”، أي من أداة التعريف “ال” ومن كلمة “إله”. وهناك آ راء لغوية أخرى في أصل هذه اللفظة.

ولم يعثر على لفظة “الله” في نصوص المسند، وإنما عثر في النصو ص الصفوية على هذه الجملة: “ف ه ل ه”، وتعني “فالله” أو “فيا الله” و “الهاء” الأولى هي أداة التعريف في اللهجة الصفوية. وقد وردت الجملة على صورة أخرى في بعض الكتابات الصفوية. وردت على هذا الشكل.: “ف ه” ل ت”، أي “فالات” فيا الآت” أيَ في حالة التأنيث. وتقابل “اللات”، وهي صم مؤنث معروف ذكر كذلك في القرآن الكريم.

ويظن بعض المستشرقين أن “الله” هو اسم صنم كان بمكة، أو أنه “إلَه” أهل مكة، بدليل ما يفهم من القرآن الكريم في مخاطبته ومجادلته أهل مكة من اقرارهم بأن الله هو خالق الكون.

وترد في العربية كلمة أخرى من الكلمات المختصة بالخالق، هي “ربّ “وجمعها “أرباب”. وهي من الكلمات العربية الجاهلية المذكورة بكثرة في القرآن الكريم، ولها معنى خاص في اللاهوت وفي الأدب العربي للنصرانىِ. وتقابل كلمة Lord في الانكليزية. وكلمة “بعل”، و “ادون” في اللغات السامية الأخرى. ويذكر علماء اللغة أن “الربّ” هو الله، هو رب ّ كل شيء، أي مالكه. وله الربوبية على جميع الخلق، لا شريك له، وهو ربّ الأرباب، ومالك الملوك والأملاك، ولا يقَال الرب ” في غير الله، إلا بالإضافة.

وقد قال الجاهليون: “الربّ” للملك. قال الحارث بن حلزة: وهو الرب، والشهيد على يو  م الحيارين، والبلاء بـلاءْ

ويظهر ان لفظة “الرب” و “رب” كانت بمعنى “سيد” ومالك عند الجاهليين، ولم تكن تعني العلمية عندهم. أي ألوهية خاصة بالله، وهي تؤدي معنى “بعل” عندهم ايضاً. فكانوا يطلقونها على الإلهَ والالهَة وعلى الإنسان باعتباره سيداً ومالكاً. أما هذا التخصص الذي يذكره علماء اللغة، فقد حدث في الإسلام من الاستعمال الوارد في القرآن الكريم.

و “ربّ ” البيت”، الله، وكذلك: “رب هذا البيت. و “رب الدار”، أي مالكها، وكل من ملك شيئاً، فهو ربه. وبهذا المعنى “هو رب الأرباب” أما “الربة”، فعنوا بها الصخرة التي كانت تعبدها ثقيف بالطائف. وكان لهم بيت يسمّونه “الربة.” و “بيت الرية”، يضاهي “بيت الله” بمكة. فلما أسلموا هدمه “المغيرة”. و “الربة”: كعبة كانت بنجران، لمذحح وبني الحارث ين كعب يعظمها الناس.

وأما “بعل”، فمعناها مالك وصاحب ورب في اللهجات السامية. فترد بعل الموضع الفلاني، أي صاحب: ذلك الموضع وربه. ومؤنث الكلمة هو “بعلت”. وترد كلمة “بعل” بمعنى زوج في العربية، وقد وردت بهذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم، وأما الزوجة، فهي “بعلت” “بعلة” أي في حالة التأنيث.

ولما كانت لفظة بعل تعني الرب والصاحب، صار اسم الموضع يرد بعد “بعل”، فيقال: “بعل صور”، و “بعل لبنان”، و “بعل غمدان”، أي رب المواضع المذكورة وصاحبها وسيدها. أما اذا وردت اللفظة مستقلة دون ذكر اسم الموضع المنسوب اليها بعدها، فتعني عندئذ رب وإلهَ، اي رب الجماعة المتعبدة المؤمنة بهْ.

وقد ورد في القرآن الكريم في صدد الكلام عن الياس Elijah )وانّ إلباسَ لَمنَِ المرسلين. إذ قال لقومه: ألا تتقون ? أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين(، وقد ذهب الطبري في تفسير “بعل” في هذه الآية إلى أن بعلاً تعني رباً في لغة أهل اليمن، أو ان المراد ببعل صنم.

ومن رأي “روبرتسن سمث”، Robertson Smith أن العرب اقتبسوا المعنى الديني لبعل من الأقوام السامية المجاورة لهم مثل سكّان “طور سيناء” أو موضع آخر، أخذوه من تلك الأقوام التي عرفت باشتغالها بالزراعة، ولا سيما زراعة النخيل، وان هذا المعنى دخل اليهم بدخول زراعة النخيل إلى بلاد العرب. وأنه استعمل عند العرب المزارعين. أما البدو والرعاة، فإنهم لم يستخدموا تلك اللفظة بالمعنى المذكور. وهو رأي يخالف رأي بعض المستشرقين من أمثال “نولدكه” Noldeke و “ولهوزن” Wellhousen الذين يرون أن عبادةّ “بعل” هي عبادة سامية قديمة كانت معروفة عند قدماء العرب منذ أقدم العهود.

ويرى بعض المستشرقين ان لفظة “بعل” أطلقت خاصة على الأرض التي لا تعتمد في زراعهّا على الأمطار أو على وسائل الري الفنية، بل على المياه الجوفية وعلى الرطوبة في التربة، فينبت فيها خير أنواع النخيل والأثمار، فهي تمثل الخصب والنماء. والظاهر ان الساميين كانوا يخصصون أرضهم بالالهة، لتمنّ عليهم بالبركة واليمن، فتكون في حمى ذلك الإلَهً “بعل الموضع الفلاني”. ومن هنا صارت جملة “بعل سميم” “بعل سمن” “بعل سمين” تعني “رب السماء”، ويعنى بذلك المطر الذي هو أهم واسطة من وسائط الإسقاء والخصب والنماء في جزيرة العرب وفي البلاد التي يسكنها الساميون. ورأى مستشرقون آخرون ان جملة “أرض بعل” تعني الأرض التي تسقى بالأمطار.

وذكر العلماء أن لفظة “الال” بمعنى الربوبية، و اسم الله تعالى. وأن كل اسم آخره “ال” أو “ايل” فمضاف إلى الله تعالى، ومنه “جبرائيل” و “ميكائيل”. وذكر أن “أبا بكر” لما سمع سجع “مسيلمة”، قال: هذا كلام لم يخرج من ال ولا بر، أي لم يصدر عن ربوبية. وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى أن اللفظة “ايل” من المعربات. عربت عن العبرانية، وهي فيها اسم الله. وهي من الألفاط العامة التي ترد في اللغات السامية، ولا يعرف معناها على وجه مضبوط، ويظن أنها بمعنىْ “القادر” و “العزيز” والقهار، والقوي، والحاكم. وترد في الشعر وفي أسماء الأعلام في الغالب. وقلما نجدها ترد في النثر.

وقد وردت في نصوص المستد وفي نصوص أخرى ألفاظ كثيرة مثل “ود” و “سمع” أ ي “سميع” و “حكم” أ ي “حكيم”، و “حلم” أي حليم” و “علم” أي “عالم” و “عليم”، و “رحم” أي “رحيم”، و “رحمنن” أي “الرحمن”، وأمثال ذلك. ذكرت على صورة أسماء آلهة. لكنها في الواقع صفاتها لا أسماؤها. ذكرت في مقام ذكر أسماء الالهة، كما يقول المسلم في دعائه ربه يا سميع ويا حكيم ويا رحيم. وهي صفات وردت في القرآن الكريم.

وعلى من يريد الوقوف على رأي الجاهليين في “طبائع آلهتهم وفي تعيين صفاتها، حصر هذه الصفات وضبطها، وتعيين مدلولها، وهي صفات تدل على معانٍ خلقية مجردة. وسنتمكن بذلك من الوقوف على نظرة الجاهليين إلى آلهتهم، ومن تعيين وتثبيت عددها إذ سيظهر لنا من هذه الدراسة ان أكثر تلك الأسماء ليست أسماء آلهة، وانما هي صفات لها، وان الكلمات التي لا بشك في كونها أسماء صحيحة قليلة جداً، ربما لا يتجاوز عددها الثلاثة، هي الثالوث. ومن يدري ? فقد تكون في النتيجه اسمأ لإلَه واحد، وعندئذ يمكن أن نتوصل إلى نتيجة علمية بالقياس إلى عقيدة الشرك أو التوحيد عند العرب الجاهليين.

وبحد الإنسان اليوم سذاجة مضحكة في بعض العقاثد الدينية التي كانت عند الشعو ب القديمة، ويستصعب تصور اعتقاد الناس بها، وهو ينسى أن هذه العقائد أو بعضها على الأقل، لا تزال معروفة بين بعض قباثل افريقية وأستراليا،وأماكن أخرى من العالم، وان العقل الانساني في تطور مستمر، وان هناك بشراً يؤمنون بعقائد ورثوها عن آبائهم لا تقل غرابة عن غرابة بعض المعتقدات التي نؤاخذ بها قدماء البشر، مع أنهم من الشعوب المتقدمة في الحضارة وفي المدنية، ومن القرن الذي نفتخر بتسميته بقرن العقوق على الأم، والهروب منها إلى بيوت أخرى، تكون بعيدة عنها، سابحة في هذا الفضاء.

وقد يصعب على الإنسان اليوم تصور وجود فاثدة أو ضرر من اشياء جامدة لا يمكن قطعاً أن تضرً أو تنفع، ولكن القدماء تصوروه مع ذلك واعتقدوه. فقدسوا الأحجار والأشجار والحيوانات، وقد”سوا الأرواح والأموات من الآباء والأجداد والقديسين، وتعبنّدوا لها. ولهذه العبادات أسماء علمية خاصة اصطلح على تسميتها العلماء.

والدين هو إيمان وعمل: إيمان بوجود قوى هي فوق طاقة البشر، لها تأثير في حياته وفي مقدراته ؛ وعمل في أداء طقوس معينة تعين شكلها الأديان للتقرب إلى الآلهة ولاسترضائها. والإيمان هو قبل العمل بالطبع، فلا بد للقيام بالشعائر، أو باًداء العمل، من وجود إيمان عند الشخص أو الأشخاص بوجود إلَه أو آلهة. حتى يقوم بعمل ديني. فالعمل تابع للأيمان، ونتيجة من نتائجه، وهو شعاره ومظهره. وهو أبرز عند الأقوام البدائية من الأيمان لدرجة عقليتها ومجال تفكيرها الضيق. ومن العمل: الرقص، والأفراح الدينية و السحر، والقرابين، والحج، والصلوات.

وقد أقر الإسلام أشياء من أمور الدين كان يمارسها الجاهليون في جاهليتهم، لأنها لا تتعارض مع مبادئ الإسلام. ودراسة أمثال هذه الأشياء توضح لنا نواحي خافية علينا في الزمن الحاضر من الحياة الدينية عند الجاهليين، لذلك أرى من الضروري تتبع هذه الأشياء لتدوين تاريخ صحيح للدين عند الجاهليين.وأرى من الضروري كذلك تتبع الأساطير والعادات الموروثة التي لها صلة وعلاقة بالدين الجاهلي بين الأعراب والحضر في كل أصقاع جزيرة العرب، ولا سيما القزى العربية النائية عن العمران المنعزلة عن الأعاجم، فإن معظم هذه الأساطير والتقاليد هي من بقايا الوثنية العربية القديمة، بقيت جذورها ثابتة راسخة في الآفئدة حتى اليوم.

أصول ديانات العرب

ولا بد أيضا لدراسة الدين عند الجاهليين دراسة صحيحة من الرجوع إلى أصول الأشياء، وأعني بأصول الأشياء هنا ديانة الساميين الأولى بشكلها البدائي القديم. فمن تلك الشجرة تفرعت أديان الشعوب إلسامية، وفي ذلك الدين نجد الأصول والأسس التي بنيت عليها الديانات الفروع.

أما كيف نتمكن من الرجوع إلى الأصل ومن معرفة ديانة الساميين القديمة، فموضوع ليس بالسهل اليسير، ونحن، وان كنا نملك بعض المؤلفات والبحوث عن أديان الساميين، لا نستطيع أن نجرؤ فنقول ان البحث قد نضج فيه، وان القوم قد استوفوه من أطرافه وأكملوه، بل ان كثيراً مما تطرق اليه العلماء هو موضع جدل واختلاف، ولن يمكن التوصل إلى نتائج مقبولة معقولة إلا اذا تمكن الباحثون من الحصول على وثائق جديدة تكشف النقاب عن أديان قدماء الساميين.

وللتوصل إلى تكوين رأي عن أديان الساميين القديمة لا بد من دراسة النصوص الدينية السامية كلها. ودراسة كل ما له صلة بالدين عند الساميين، ومقارنة الأديان السامية بعضها ببعض ومراجعة الأصول اللغوية للمصطلحات الدينية عند جميع الشعوب السامية للتوصل منها إلى الأسس العميقة المدفونة التي أقيم عليها بنيان ديانة الساميين. ثم لا بد أيضاً من دراسة المؤثرات الخارجية التي أثرت في الساميين من عوامل طبيعية ومن عوامل أخرى غير طبيعية ومن الأثر الثقافي الذي كان “لغير الساميين في الساميين.

ويتبين من دراسة الأساطير السامية وجود شكل من أشكال التوحيد Henoteism عند القبائل السامية البدائية يمثل في اعتقاد القبيلة بوجود إلهَ لها واحد أعلى، غير ان هذا لا يعني نفي اعتقآدها بتعدد الالهة. فإننا نرى ان تلك القبائل كانت تعتقد، في الوقت نفسه، بالأرواح كأنها كائنات حيه ذات أثر وسلطان في مصير هذا الكون. وفي ضمنه الإنسان، وبآلهة مساعدة للالَه الكبير.

والديانات السامية، وإن كانت في الأصل من ديانة قديمة،قد تطورت وتغيرت بعوامل عديدة من العوامل التي تؤثر في كل المجتمعات البشرية فتحدث فيها انقلاباً في التفكير وفي طراز الحياة. ومن هذه العوامل المؤثرات الخارجية والمحيط الجديد. وسنجد ان ديانة العرب الجنوبيين، وإن كانت في الأصل من تلك الديانة السامية.

العقول النيرة التي هزأت بالأوثان وبديانات قومهم. وان رجالاً منهم كانوا على الحنيفية، يريدون بها ديانة التوحيد، وان آخرين بشّروا بالوثنية، وأشاعوها بين العرب، لما كان لهم من مكانة ونفوذ. وان رجالاً من الجاهليين كانوا على ملة اليهودية ودين المسيح. وان قوماً من أهل الجاهلية كانوا على عبادة “الله” و “الرحمان”، وكل المذكورين كانوا ممن مهد الجادة اذن لظهور ا لاسلام.

وقد أدى ظهور الإسلام إلى ظهور مصطلحات جديدة وموت مصطلحات قدبمة، وصارت هذه المصطلحات من علائم الوثنية. ولا بد لنا للوقوف على صورة أوضح للحياة الدينية عند الجاهليين من وجوب دراسة الألفاظ الجاهلية ذات المعاني الدينية بجمعها وتبويبها وتثبيت معانيها، فبهذه الدراسة نستطيع الوقوف على مبلغ تغلغل الحياة الدينية في نفوس الجاهليين، ومعرفة مدى تعمقهم في الدين وفهمهم له.

ومن الدراسات التي يجب أن تنال منا الرعاية والعناية لمعرفة الحياة الدينية وتطورها عند الجاهليين معرفة صحيحة، دراسة المصطلحات الدينية بحسب اللهجات العربية، وأماكن تلك اللهجات، وأسماء الأصنام أو الأوثان، ومعتقدات سكان تلك الأرضين في هذه الأيام، فإن دراسة مثل هذه تفيدنا فائدة كبيرة في معرفة أسس الحياة الدينية عند الجاهليين، وفي معرفة اختلاف العرب أو اتفاقهم في العقائد وفي الأمور الدينية، ومعرفة العوامل والأسباب النبي أدت الى ذلك، ثم معرفة المؤثرات الخارجية في الحياة الدينية للجاهليين. وبتثبيت هذه وأمثالها وبمقارنتها بأسماء أصنام الأقوام المجاورة وآلهتهم ومصطلحاتهم، نستطيع فهم كثير من الأمور الغامضة من الحياة الدينية عند ألعرب وعند تلك الأقوام، وفهم الاحتكاك العقلي والصلات الروحية التي كانت بين تلك الشعوب قبل الإسلام.

إن الأخباريين عفا الله عنهم، لم يعنوا بتنسيق هذا الذي توصلوا اليه ورووه لنا من آراء الجاهليين في الدين. فرووا روايات مختلفة متناقضة أو مقتضبة اقتضاباً مخلاً وجاءوا بأمور تثبت ان أولئك الأخباريين لم يكونوا على مستوى عال من اللنقد والتعمق في دزاسة الأخبار، وانهم كانوا يروون أخبارهم بالمعنى المفهومً من الأخبار. يأخذون ما يقال لهم فيروونه على نحو ما سمعوه وإن كان فيما يروونه ما يخاللف المنطق والفهق السليم. والاستسلام للروايات داء يذهب بالفائدة. منها، ويعود على المؤرخ بأفدح الأضرار. ولهذا نجد أنقسنا في موضوع أديان العرب قبل الإسلام في زوبعة عاتية وعاصفة مليئة بالرمال نتخبط فيها للحصول على مخرج نخرج منه، وليس لنا إلا الأمل. بالخروج من هذه العاصفة العاتية المتعبة في وقت ما.

وهذا الذي أورده أهل الأخبار عن أهل الجاهلية على ما فيه من تناقض، وتضارب واقتضاب، هو كما رأينا مادتنا الوحيدة عن الحياة الدينية عند عرب الجاهلية قبيل الإسلام وعند ظهوره، ولا سيما بالنسبة إلى عرب الحجاز وعرب الشام والعراق. وهناك روايات لم نستفد منها حتى الآن، لصعوبة التوصل اليها، لا لكونها في بطون المخطوطات، ولهذا بصعب الحصول عليها. فإن الكثير منها قد طبع، وهو في متناول الأيدي، إنما صعوبتها في كونها في كتب مطبوعة طبعاً على الطريقة القديمة بلا نظام ولا ترتيب ولا تبويب فنيّ ولا فهرست لما في الكتاب المطبوع من مواد ومن أسماء أشخاص أو أصنام أو أوثان أو ما شابه ذلك. وليس أمام المؤرخ في هذه الحالة إلاً أن يقرأ تلك الكتب من بسملتها حتى منتهاها، ليحصل منها في النهاية على كلمة أو كلمتين أو خبر أو أخبار، ولكن كيف يتمكن المؤرخ من قراءة كتب ضخمة كتفسير الطبري وكتب التفاسير الأخرى وشروح الحديث وكتب التواريخ والطبقات وبقية الكتب إذا كان الكتاب يتألف من أكثر من عشرة أجزاء، وهي كلها بلا فهرست للاعلام ولا لما في الكتاب من فوائد ومواد. لا يتمكن المؤرخ بالطبع من قراءة كلّ هذه الموارد المذكورة مع تساوي عمره بسائر أعمار الناس، ولو مدّ الله في عمره وصيّره إنساناً آخر ذا عمر طويل من أعمار الناس الذين أرخهم “السجستاني” في كتاب المعمرين، لتمكن من الإحاطة ببعض تلك الموارد على الأقل. غير أن عمر المؤرخ ويا للاسف مثل أعمار سائر الناس، قصير محدود، فليس في إمكانه الإحاطة بما ورد في هذه الكتب الواسعة المجهولة، على ظهورها في عالم الوجود ووجودها في خزانة كتب المؤرخ وفي يد أي شخص يريد الحصول عليها، لأن الموضوع ليس موضوع وجود كتاب مطبوع أو مخطوط، إنما هو اكتشاف ما في المطبوع أو المخطوط من آراء وأخبار وأعلام.

ما دام الوضع على هذا الحال وما دامت أكثر كتبنا غير مفهرسة ولا منسقة، فليس في استطاعة المؤرخ أن يأتي بشيء كثير يشفي غليل من يريد المزيد من المعرفة عن الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلام. وهذا امر بؤسف له بالطبع كثيراً. وسيأتي بعدنا من يضيفون إلى هذا العلم البسيط الذي توصلنا اليه علماً كثيراً، ثم يتوصل من بعدهم إلى أكثر من ذلك ولا شك. ومن يدري ? فلعلهّم يتوصلون إلى كتابات جاهلية تغنيهم عن كل هذا الذي اخذناه من موارد إسلامية كتبت بعد الجاهلية بعشرات السنين. وليس لنا، وسنكون بالطبع من الماضين، إلاّ أن ندعو لمن ياتي بعدنا بالتوفيق والنجاح التام.

لا تعليقات

اترك ردًا