السيد محمد الشيرازي.

من موضوعات فلسفة التاريخ التي يجب على الباحث التاريخي أن يلاحظها: النظر إلى تاريخ الأمّة بصورة إجمالية، والقول إنّ تاريخها تاريخٌ أخلاقي، أو تاريخ غير أخلاقي.

وفي البدء يمكننا القول: إنّ الأخلاق لا تتكون عند الإنسان إلاّ بالدين والإيمان بالله سبحانه، واليوم الآخر، حقيقةً لا لفظاً وادّعاءً، فالأخلاق بدون الدين لا تكون أخلاقاً صحيحة وإنّما أخلاقاً خياليّة، وكما أنّ للأفراد أخلاقيات سليمة وفاسدة، كذلك للدول والحضارات، والأحزاب، والمنظّمات، والهيئات، والاجتماعات، والعشائر ومن أشبههم، أخلاقيات صحيحة أو فاسدة، فإذا كان هناك في الدولة: التراحم، والتعاطف، والشورى، والخدمة، وما أشبه ذلك، فهذه الدولة لها أخلاق صحيحة وسليمة. أمّا إذا لم تكن هذه الأمور بل كان الاستبداد، والإسراف، والترف، والتبذير، والبطش؛ كما قال سبحانه وتعالى: ((وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ))(6)، بتقريب فئة، وتبعيد فئة، واتّخاذ بطانة للمؤامرة والمكر دائماً، فهذه الدولة، تصبح دولة لا أخلاقية.

ومن الواضح أنّ الفرد كالمجتمع، والمجتمع كالفرد، وكلاهما كالحكومة والحزب، فيكتب لها البقاء، إذا كانت لها أخلاقيات صحيحة؛ لأنّ الأخلاقيات الصحيحة هي التي تواكب الحياة، وتكون حسب موازين الكون، والفطرة،وليس حسب موازين ما يريده الإنسان، وما تشتهيه نفسه. فمن يقول: لا أعترف بالجاذبية، ويُلقي نفسه من شاهق، لابدّ وأن يصطدم بالأرض، ويتقطّع جسده قطعاً متناثرة. كذلك من يقول: إنّي لا أؤمن بالهواء الطلق النظيف في البيئة السليمة، فأنتقل إلى بيئة موبوءة، لابدّ وأن يصيبه الوباء. وهكذا بالنسبة إلى من لا يعترف بأنّ النار محرقة، فيدخلها فلابدّ وأن يحترق.

وهذه الأمور الملموسة للإنسان، تقاس عليها الحكومات والدول، فإنّ الله سبحانه وتعالى كما جعل لكلّ شيء موازين وحدوداً من الأمور المخلوقة، كذلك جعل للمجتمعات والأفراد مثل هذه الموازين. فالعصفور لا يكبر إلى حجم الحمام، والحمام لا يكبر إلى حجم النعامة، والنعامة لا تكبر إلى حجـم الفيل، والعكس صحيح أيضاً، فالفيل لا يصغر إلى حجم النعامة، والنعامة لا تصغر إلى حجم الحمام، والحمام لا يصغر إلى حجم العصفور، وهكذا بالنسبة إلى سائر موازين الكون حسب ما قاله سبحانه وتعالى: ((الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى))(7)، وهكذا جعل الله سبحانه وتعالى لكلّ من الاقتصاد، والاجتماع، والتربية، والفكر، والثقافة موازين خاصّة، فـإذا خالف كائن ذلك الميزان، اصطدم بموازين الله سبحانه وتعالى، وسننه؛ ليتحطّم ويفنى.

مثلاً: بنو أميّة(8) خالفوا موازين الله سبحانه وتعالى في الحكم؛ ولهذا تحطموا بعد عهد من الطغيان والجبروت، وكان سبّ الإمام أمير المؤمنين (ع) مَعلماً لطغيانهم، فقد ذكر لنا الشافعي(9) أنّ بني أميّة نصبوا 70 ألف منبر لسبّ علي (ع)، ممّا يدلّ على كثرة منابر المسلمين في طول البلاد وعرضها، ومع ذلك، لمّا خالفوا سنن الله سبحانه وتعالى في الحكم، قصم ظهورهم، وأقصاهم عن السلطة، وهكذا رأينا نحن في زماننا كيف سقط الشاهان ـ رضا شاه وابنه(10) ـ في إيران، وكيف سقط حكّام العراق من عبد الكريم قاسم(11)، وعبد السلام عارف(12)، وعبد الرحمن عارف(13)، والبكر(14)، فإنّ الحكام إذا خالفوا موازين الله سبحانه وتعالى، يكون حالهم حال من يخالف موازين الله في إلقاء نفسه من الشاهق.

وعلى كلّ حال: فأخلاقيّات الحكّام سواء انبعثت عن الإيمان بالله واليوم الآخر أو انبعثت عن العقل الذي يقول: إنّ الأخلاقيات المنحرفة تسبّب سقوط الحكم حالها حال أخلاقيات الفرد، فإنّ الفرد إذا كانت له أخلاقيات صحيحة عن إيمان أو عن تعقّل، لابدّ وأن يزدهر، وأن يتقدّم، وأن يلتفّ حوله الناس، ويصل إلى هدفه، بينمـا إذا لـم يكـن كذلك، انفض الناس من حوله. كما قال الإمام أمير المؤمنين (ع): (لا وحشةَ أوحش من العجب)(15) .


(6) سورة الشعراء: الآية 130.

(7) سورة طه: الآية 50.

(8) نسبة إلى أميّة وهو من الروم، استلحقه عبد شمس، حكموا اثنين وتسعين سنة ابتداءً من 40 ه‍ (661 م) وإلى 132 ه‍ ( 750 م)، وامتدّت دولتهم من شواطئ المحيط الأطلسي وجبال البرانس غرباً إلى نهر السند وتخوم الصين شرقاً، وعدد خلفائهم أربعة عشر خليفة، وهم كالتالي: 1. معاويـة بـن أبـي سفيان. 2. يزيد بن معاوية. 3. معاوية الثاني. 4. مروان بن الحكم. 5. عبد الملك بن مروان. 6.الوليد بن عبد الملك. 7. سليمان بن عبد الملــك. 8. عمر بـن عبدالعزيـز. 9. يزيـد بــن عبـد الملـك. 10. هشـام بـن عبـد الـملـك. 11. الوليد بن يزيد. 12. يزيد بن عبد الملك. 13. إبراهيم بن الوليد. 14. مروان الحمار.

اتّسمت سيرتهم باللهو، واللعب، والغناء، والطرب، والشراب، وإحياء الباطل، وإماتة السنة، وإظهار البدعة، ومصادرة الأموال، وبث روح العصبية وإثارة النزاعات القبلية، وقتل أهل البيت(ع). وفي زمانهم كانوا يختمون على أعناق الصحابة والتابعين على أنهم عبيد للخليفة، وكانوا يسجنون النساء ويأتي من أراد الزنا فيدخل إلى السجان فيختار من النساء ويقضي وطره مقابل مبلغ من المال.

وقامت في عهدهم عدة ثورات منها: 1. ثورة الإمام الحسين(ع) 2. ثورة أهل المدينة بقيادة عبـد الله بـن حنظلة 3. ثـورة أهـل مكـة بقيادة عبد الله بن الزبير. 4. ثورة المختار 5. ثورة مصعب بن الزبير. 6. ثورة زيد بن علي. 7. ثورة بني المهلب.

(9) أبو عبد الله، محمد بن إدريس، الملقب بالشافعي، نسبة إلى جده، ويعد مؤسس المذهب السني الشافعي، ولد سنة 150ه‍ (767م) وتوفي في مصر سنة 204ه‍‌ (820م)، هاجر إلى مصر سنة 198ه‍ (813م)، ثم سافر إلى مكة ومنها إلى بغداد ثم العودة إلى مصر سنة 200ه‍ (815م)، من مؤلفاته: كتاب الأم، رسالة في أدلة الأحكام، اختلاف الحديث، المسند.

للمزيد راجع كتاب الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: ج3 ص 175 ـ 254، تهذيب الأسماء واللغات: ج1 ص 44.

(10) رضا شاه: من ملوك إيران في القرن العشرين، أصبح وزيراً للحربية ـ الدفاع ـ في حكومة القاجار ثم أطاح بهم ولقب نفسه ب‍(بهلوي إحياءً للفارسية القديمة، ولد سنة 1295 ه‍ ـ (1878م) وحكم إيران سنة 1343 ه‍ ( 1925 م)، واستمرّ في الحكم لسنة 1359 ه‍ (1941م)، اتّسم حكمه بإحياء القومية الفارسية ونشر المذهب البهائي وهدم المساجد والمدارس والحسينيات ومنع العلماء ورجال الدين من ممارسة أدوارهم في الحياة، وأشاع الزنا والخمر والقمار في أوساط المجتمع الإسلامي، ومنع النساء المسلمات من ارتداء الحجاب الذي فرضته الشريعة، وحطم اقتصاد البلاد وعلى الخصوص قنوات الري، وقتل في ثورة مسجد (كوهر شاد في مدينة مشهد الإيرانية أكثر من ثلاثة آلاف مسلم. نفاه الإنجليز إلى جزيرة موريس في المحيط الهندي، وعيّنوا ولده محمد رضا مكانه، وأصابه في منفاه لوث من الجنون ؛ فكان يقف كلّ يوم أمام مرآة في غرفته ويعدد ألقابه ثم يضحك بهستيرية على نفسه، وكان يقضي أكثر أوقاته بهذه الكيفية، ثم قتله الإنجليز هناك سنة 1363ه‍ (1944م).

محمد رضا شاه: من ملوك إيران في القرن العشرين، عينه الإنجليز بعد أن خلعوا والده، ولد سنة 1337ه‍ (1919م)، وتسلم الحكم في إيران سنة 1359 ه‍ ( 1941 م)، وأطيح به سنة 1399ه‍ (1979م)، ومات في المنفى سنة 1400ه‍ (1980م)، ودفن في مصر.

(11) عبد الكريم قاسم: ولد في بغداد سنة 1332ه‍ (1914م)، تسلم الحكم في العراق سنة 1377ه‍ ( 1958م) بعد أن أطاح بالنظام الملكي، وأعلن النظام الجمهوري، وشكل مجلس السيادة لإدارة البلاد، استمر في الحكم لسنة 1382ه‍ (1963م )، وأعدم إثر تعرضه لانقلاب عسكري ؛ قاده عبد السلام عارف.

(12) عبد السلام عارف: ولد سنة 1339 ه‍ (1921م)، تسلم الحكم في العراق سنة 1382ه‍ (1963م)، قتل سنة 1385ه‍ (1966م) ؛ إثر سقوط طائرته في جنوب العراق.

(13) عبد الرحمن عارف: ولد سنة 1334ه‍ (1916م)، أصبح رئيساً للعراق سنة 1385 ه‍ (1966م)، بعد مقتل أخيه عبد السلام، نحي عن السلطة سنة 1388ه‍ (1968م) ؛ إثر انقلاب دبّره أحمد حسن البكر، ونفي إلى تركيا.

(14) أحمد حسن البكر: ولد في تكريت سنة 1333ه‍ (1914م)، تسلم الحكم في العراق 1388ه‍ (1968م) ؛ إثر انقلاب دبّره على عبد الرحمن عارف، واستمر في الحكم إحدى عشرة سنة، وأقصي سنة 1399ه‍ (1979م) ؛ إثر انقلاب دبّره صدام التكريتي. وقتله صدام سنة 1402ه‍ (1982م) بحقنة سبّبت ارتفاع نسبة السُّكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش.

(15) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص 372 ب2 ح 5762، كشف الغمة: ج1 ص384، بحار الأنوار: ج1 ص88، غرر الحكم ودرر الكلم: ص308 ح7088.

المصدر: كتاب فلسفة التاريخ، السيد الشيرازي، الفصل الأول.