السيد محمد الشيرازي.

ينطبق على فلسفة التاريخ ما ذكره علماء العقائد من مسألة الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين.

ومثالاً علـى ذلك نقـول: إنّ أحوال الأمم ليست علـى نحو التكامل الدائم، ولا على نحو الانحطاط الدائم، وإنّما يكون للأمم تكاملٌ في حال، وانحطاط فـي حال آخر.

ولمّا كان عـدد الكمالات النسبيّة كثيرةً، فليس من الغريب أن يكون أحـد المجتمعات، أو إحدى المراحل التاريخية، أكمل من مجتمع آخر، أو مرحلة تاريخية أخرى مـن حيث إحدى تلك الكمالات، ولكنّه أنقص منه من حيث كمال آخر، فإنّـه لا يمكـن إثبات كـون مجتمع معيّن، أو مرحلة تاريخية خاصّة فـي مجتمع معيّن، أكمل مـن مجتمـع آخر، أو مرحلة أخرى في جميع الكمـالات النسبية التـي هـي مقدّمـة لغيرها.

مثلاً: اليونان القديمة؛ تكاملت مـن حيث العلـم، والفلسفـة، والتجـارب الإنسانية التـي عاصرت تلك الحقبة مـن الزمان ثـمّ سقطـت حتّى لا تـرى فيها اليوم حتّى عالماً واحداً من أولئك العلمـاء مـن أمثـال: سقـراط(155)، وأفـلاطـون(156)، وأرخميدس (157) ومن أشبههم، بينما أخذت الأمم بالشرق الأوسط وما أشبه ذلك إبّان أخذهم بالإسلام في التكامل حتّى إن أحد العلماء ذكر أنّ في قرنٍ واحد كان من العلماء لمختلف الفنون من الرياضيّات، والفلك، والهندسة، والحساب، والفقه، والأصول، والقانون خمسة آلاف عالم حسب ما حفظه التاريخ، فمن يزعم أنّ حركة التاريخ تكاملية لا دليل له لا من الماضي، ولا من الحاضر، ولا في المستقبل، حتّى إنّه لو فرض بأنّ مسيرة المجتمعات، أو الحركة التاريخية، كانت في الزمان الماضي تكاملية إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّهُ يكون في الآتي هكذا، وهذا هو الأمر الذي سبب سقوط ماركس(158) في خطئه المعروف من أنّ آخر مرحلة للإنسان هي الشيوعية وستبقى هذه الشيوعية على طول الزمان ثمّ تتسع حتّى تشمل الكرة الأرضية بكاملها.

أمّا اعتقاد المسلمين بأنّه: ((لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)) (159)، فذلك بسبب الغيب لا بسبب الموازين التاريخية.

نعم، ما ذكره سبحانه وتعالى من قوله: ((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا))(160)، ومن قوله سبحانه وتعالى: ((وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ))(161) من السنن العامّة التي كانت سابقاً، وفي العصر الحاضر، وفي المستقبل إلى أنّ تبدّل الأرض غير الأرض، إذ يكون ذلك حينئذ من انتفاء الموضوع لا انتفاء الحكم على اصطلاح الأصوليين. وذلك لوحدة الطبيعة البشرية، وتماثل الطبائع في القوّة، والضعف، والغرور، والاهتمام، وقد ذكر أحد العلماء أنّ عامل قيام الحضارة هو نفسه عامل تدهورها وفنائها، فإنّ العصبية أساس القوّة القبلية ولا تكون الرئاسة إلاّ في أهل أقوى العصبيات، وإنّ العصبية تهدف إلى الملك وتنقل المجتمع من البداوة إلى التحضّر، ولكن إذا كان صاحب الدولة قد وصل إلى الرئاسة بمقتضى العصبية، فإنّ الرئاسة لا تستحكم إلاّ إذا جدع أنوف أهل عصبيّته وعشيرته المتقاسمين له في نسبه. ومـن ثمّ فإنّـه يدافعهم عن الأمر ولا يطيب له الملك إلاّ بالاستغناء عن العصبية التي اكتسب بها المجد.

فهنا قضيّتان متعارضتان في مسار التاريخ، في العصبية تتمّ الرئاسة، ولا تطيب الرئاسة إلاّ بالاستغناء عن العصبيّة، أو بتعبير آخر أهل العصبية عون لصاحب الدولة في قيامها، وأهل العصبية مناوئون لصاحب الدولة في رئاسته، وثمّة مكمّل لهاتين القضيّتين اتّخاذ الموالي والصنائع كبديل عن أهل العصبية. ومن ثمّ تتمّ حركة التاريخ، وتكون بداية تدهور الدولة.

ومثال آخر في نفس الموضوع: هـو أنّ الترف يزيـد الدولة في أوّلها قوّة إلى قوّتها، إنّـه غايـة الحضارة، وبالملك تتباهى الدول المتحضّرة، وبه تقاس حضارتها وقوّتها، وبه ترهب الدول المجاورة، ولكنّ الترف هو العلّة الأساسيّة لطرو الخلل في الدولة، إنّه مؤذن بالفساد، وإذا حصل الترف، أقبلت الدولة على التراجع، فالترف مظهر الحضارة، والترف هادم للحضارة، وكذلك الترف غاية العمران، والترف مؤذن بنهاية العمران. فالترف يرهب الأمم المجاورة، وهو يغري القبائل وأهل البداوة بالانقراض.

ويجب أن يضاف إلى ذلك، الهمّة بسبب الضعف، والغرور بسبب القوّة، فإنّ الضعفاء يوجّهون همّتهم حتّى يصلوا إلى الحكم وإلى المراتب العالية من السلطة، فإذا وصلوا إلى الحكم وإلى المراتب العالية يأخذهم الغرور وبذلك يأخذون بالضعف. وقد قال الإمام علي (ع): (أوحش الوحشة العجب)(162)، فإنّ المغرور المعجب بنفسه، يستغني عن هذا، وعن هذا، وعن هذا، وبذلك يكون سقوطه، فإنّ سقوطه ونهوضه إنّما كان بهذا، وهذا، وهذا. وقد شاهدنا ذلك في تاريخ الأمويين والعباسيين والعثمانيين والقاجاريين، ومن إليهم،كما شاهدنا مثل هذا الأمر في تاريخ الشيوعية العامّة بل والشيوعية الخاصّة في العراق التي تبدّلت إلى قومية، والقومية الخاصّة في العراق التي تمثَّلت بالبعثية والبعثيين وهم في العراق في هذه الأيّام يلفظون أنفاسهم، حتّى يتغيّر الأمر إلى الديمقراطية، أو ما أشبه ذلك(163).

وعلى كلّ حال: فكون قانون التكامل في الأمم قانوناً، عاماً، دائماً، ضرورياً، جبريّاً، مسيطراً على كلّ حركة المجتمع أو التاريخ، فإنّه إنّما يصحّ على نحو الجزئية لا على نحو الكلّية، بالإضافة إلى أنّه صادق في بعض أبعاد المجتمع أو التاريخ لا مطلقاً. فإنّ التكامل الذي بمعنى التعقيد المتزايد في علاقات الناس بعضهم ببعض، وارتباطاتهـم الاجتماعيـة والاقتصاديـة إنّمـا يمكـن قبولــه إذا كـان بشكـل جزئـي لا بنحو قانون عام، لأنّ ذلك تقتضيه زيادة النفوس البشرية وطبيعة الإنسان بما هو موجود، تقتضي قدرته على التوالد والتناسل والزيادة السكانية وحبّ الأولاد والأحفاد والأقرباء، وهكذا. لأنّه كلّما ازداد السكان، فإنّ الارتباطات الاجتماعية والاقتصاديـة والسياسيـة والتربوية والفكرية والعائلية والعسكرية؛ تكثر بطبيعة الحال.

ولذلك نرى أنّ العلاقات الاجتماعية في المجتمع المدني أكثر وأشدّ تعقيداً من العلاقات في المجتمع القروي، أو القبلي، أو الحزبي، كلّ في بعده. ولهذا يكون المجتمع المدني بحاجة إلى مؤسّسات ودوائر، يستغني عنها المجتمع القروي، أو القبلي. وهذا إنّما يصحّ بالنسبة إلى الدوائر التي تحتاج إليها المجتمعات، لا إلى الزوائد التي يسبّبها الديكتاتوريون حيث يحتاجون إلى كثرة المصفّقين.

وقد ذكرنا أنّ علماء الإحصاء في الغرب ذكروا عن مصر في عهد عبد الناصر(164) أنّها كانت بحاجة إلى مائتي ألف موظّف حسب الموازين الدقيقة لكنّ الحكومة جمعت حولها مليوناً ومائة ألف، وجوهر القضية إنما احتاجت إلى تسعمائة ألف من المصفقين والمهللين (165)، وما أشبه ذلك.

الاطّراد السكاني والمؤسسات

ومن السنن في هذا الحقل أن النمو التدريجي للسكان يسبب احتياج الإنسان إلى المؤسّسات والدوائر العالمية أيضاً كالمحاكم الدولية، والأمم المتّحدة، وما أشبه ذلك. وكلّما تقدّم الإنسان في المدنية والحضارة، وتقدّم في النمو والزيادة، اشتدّت التعقيدات، بحيث تحتاج البشرية لتسيير نفسها، وتنظيم ذاتها إلى مؤسّسات، ودوائر أعظم مما عليه الآن.

مثلاً: المدينة الواحدة بحاجة إلى مؤسّسات قليلة بقدر المدينة، أمّا إذا صارت مدينتان، فهما تحتاجان إلى مؤسّسة ثالثة هي التي تدير المدينتين وتنظّم العلاقة بينهما.

لكن هذه القاعدة التي ذكرناها إنّما هي فيما إذا اطّرد تقدّم الإنسان في النسل والنمو السكّاني، وأمّا إذا توقّف هذا الشيء بسبب لا نعلمه، أو ارتدّ إلى الوراء؛ ينعكس الأمر حكماً كما انعكس موضوعاً، إذ حينئذ تتوقّف كثرة العلاقات وتعقّدها بل تتقهقر إلى الوراء.

وما ذكرناه صادقٌ أيضاً في التقدّم العلمي، والتجريبي، والفنّي، والصناعي، والتكنولوجي، وما أشبه ذلك، وذلك لأنّه من أبرز ميّزات الإنسان أنّه يستغّل علوم السابقين وتجاربهم ليفجّر في نفسه القوى الكامنة بالإضافة إلى تلك الاستعدادات الكاملة ويربّي الطاقات المخبأة، وبذلك يأخذ في التقدّم، لكنّ السؤال هل سيستمر هذا التقدّم، أو ينطفئ بفعل قنبلة ذرية والعياذ بالله، أو بعوامل أخرى؟.

ومن يدّعي أنّ علوم الإنسانية وفنونها قد سارت في طريق التقدّم لحدّ الآن، فهو كلام بدون دليل، فإنا لا نعرف عن عمر الإنسان أكثر من عشرة آلاف سنة.

أمّا قبل ذلك كيف سار المجتمع تقدّماً، أو توقّفاً، أو تأخّراً، فلا نعلمه، وقد أشرنا في بعض كتبنا إلى أنّا نحتمل أنّ عمر الإنسان في الكرة الأرضية أكثر من مائة مليون سنة؛ كما دلّت على ذلك بعض الشواهد التاريخية. وأمّا بالنسبة إلى الحيوان؛ فقد دلّت الحفريات ونحوها على أن عمر بعضها أكثر من 300 مليون سنة. وبذلك لا نعلم سابق الزمان حتّى نحكم عليه أو له، أو بأنّه كان كذا وكذا، لأنّ الحكم تابع للموضوع، والموضوع تابع للعلم، ففاقد العلم لا يتمكن من الحكم.


(156) ولد أفلاطون سنة (427 ق. م) في أثينا، ومات سنة (347ق. م)، ويعد من الفلاسفة والمصلحين، وكان يعتبر التحليل الرياضي طريقة فعالة للتوصل عبر فصل الأفكار إلى معرفة الكون، ومثل هذه المعرفة في تقديره لا يمكن اكتسابها بالحواس وحدها، معلّلاً ذلك أن ثمة وراء ظواهر الأشياء حقيقة عليا، معرفتها هي هدف الفلسفة الحقيقي، وفي اعتقاده أن العقل وحده يتيح لنا تجاوز عالم الحواس وبلوغ الحقيقة التي يعكسها بطريقة غير مثالية، وفي رأيه كذلك أن الإنسان السعيد هو الإنسان الفاضل، فلا بدَّ من معرفة الطريق المؤدية إلى الفضيلة، ويعدُّ من تلامذة سقراط، فقد سجل مناقشاته وأدى حبه للدراسة والتعليم إلى تأسيس أكاديمية بأثينا سنة (387 ق. م)، وقد بلغت مؤلفاته الثلاثين منها: (الجمهورية)، (القوانين)، (المأدبة)، (فيدو(، (المحاورات(، ( السياسي(، (تيمه(، (الاعتذار(.

(157) ولد أرخميدس بصقلية في مدينة (سيراقوسه( سنة (287 ق. م)، وقتل سنة (212ق. م)، عالـم الرياضيات والفيزيـاء والفلسفـة، توصـل إلـى فكرة الوزن النوعي والتي تسمّى بقاعـدة أرخميـدس، وتوصـل كـذلك إلـى اختـراع جهاز لرفع الماء يسمّى ب‍(‍لولب أرخميدس( ـ وكـذلك تـوصل إلـى مبدأ أرخميدس وهو قانون ينص على أنه حين يغمر جسم في سائل ما، فإنّ ما يفقده من وزنـه يكون معادلاً لوزن السائل المزاح، وتوصّل إلى المبادئ الرياضية الناجمة عن اسـتعمال الـرافعة، فالقـوة المطلوبـة عنـد نهايتـي الرافعـة لتحريـك ثقـل فـي النهايـة الأخـرى تتوقف على بعد النهايتين من المحور الموضوع عليه الرافعة.

(158) كارل ماركس الألماني، مؤسس الحركة الاشتراكية، ولد بمدينة (ترير( سنة 1818م، من أبوين يهودين، ومات في لندن سنة 1883م، دخل العمل السياسي والاجتماعي سنة 1841م ؛ فأبعد من ألمانيا إلى فرنسا ومنها إلى لندن ؛ فعمل بالصحافة فيها سنة 1848م، وكتب مع فردريك إنجلز البيان الشيوعي في نفس السنة، والذي حددا فيه مبادئ الشيوعية الحديثة ووجها فيه نداءً إلى عمال العالم يدعوهم إلى الاتحاد والتعاون. وقد أصبح هذا البيان أحد الركائز الرئيسية التي قامت عليها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، وخلال تواجده في لندن دوّن الكتب التالية: (نقد الاقتصاد السياسي/سنة 1859م(، وكتاب (نداء إلى الطبقات العاملة في أوربا/سنة 1864م(، وكتاب (رأس المال/سنة 1867م(.

(159) سورة التوبة: الآية 33.

(160) سورة الأعراف: الآية 137.

(161) سورة القصص: الآية 6.

(162) نهج البلاغة: قصار الحكم: الحكمة 38، مشكاة الأنوار: ص314، معدن الجواهر: ص42، غرر الحكم ودرر الكلم: ص309، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18 ص157 ب 38.

(163) ونحن إذ نهيئ هذا الكتاب للطباعة ؛ زُفّت إلينا أنباء انهيار النظام البعثي في العراق، وبهذا تحققت أمنية المؤلف، وقد رسم الإمام المؤلف ملامح مستقبل العراق: في كتابه (إذا قام الإسلام في العراق).

(164) ولد سنة 1336ه‍ (1918م) وتوفي سنة 1390ه‍ (1970م)، قائد ثورة تموز 1952م، تولّى رئاسة الوزراء سنة 1373ه‍ (1954م)، واتّخذ الاشتراكية كنظام لإدارة البلد، تولّى رئاسة الجمهورية سنة 1375 ه‍ (1956م)، واستمر حكمه إلى سنة 1390ه‍ (1970م).

(165) للمزيد من التفصيل راجع كتاب ?إلى حكومة واحدة إسلامية للإمام المؤلف.

(166) لقد حول صدام العراق إلى جحيم لا يطاق، فالذي يسلم من السجن والتعذيب والقتل، لم يسلم من هدر كرامته، وقد قتل من الشعب العراقي خمسة ملايين وثمانمائة ألف إنسان عدا من قتل في حروبه، وأطيح به ولله الحمد في 9/4/2003م. عن صدام راجع كتاب (تلك الأيام) للمؤلف: ص79.

(167) الحجاج بن يوسف الثقفي، ولد في الطائف سنة 41ه‍ (661م)، وانتقل إلى الشام ودخل في خدمة الدولة الأموية ؛ فاشترك في الجيش الذي قاده عبد الملك بن مروان لقتال مصعب بن الزبير، وفي سنة 70 ه‍ (689م) ولاّه عبد الملك قيادة الجيش الذي أرسله لقتال عبد الله بن الزبير في الحجاز فسار نحو مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق من جبل أبي قبيس وتغلب على ابن الزبير وصلبه، وظلّ بالحجاز حتى سنة 74ه‍ (694م)، ثم ولاّه عبد الملك ابن مروان الكوفة، وقتل سنة 95 ه‍ (714م) بعد أن سجن في دمشق، وعاش 53 سنة، يعدُّ من أسوأ عمّال بني أمية، أسهم في توطيد حكمهم، وقد وصف الحجاج نفسه كما عن ابن سعد في (الطبقات( ج6 ص66: (ما أعلم اليوم رجلاً على ظهر الأرض هو أجرأ على دمٍ مني(، وقد وصفه خير الدين الزركلي في كتابه (الأعلام(: (وكان سفاكاً سفاحاً باتفاق معظم المؤرخين(، وقال عنه اليافعي في (مرآة الجنان(: ( إنّ أكبر لذّته سفك الدماء(، اتّسم حكمه بالقتل والبطش، ومثال على ذلك فقد قال الحجاج لخالد بن يزيد ابن معاوية: (ولقد ضربت بسيفي هذا أكثر من مائة ألف، كلهم يشهد أنك وأباك وجدك من أهل النار( انظر مسالك الإبصار: ص123، كما ذكر المسعودي في (التنبيه والإشراف( ص318: (إن عدد من قتلهم الحجاج صبراً بلغ مائة وثلاثين ألفاً عدا من قتل في زحوفه وحروبه(، وفي (تاريخ الخلفاء( للسيوطي و(الإمامة والسياسة( لابن قتيبة، أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين ويحتال لقتلهم، فلما دخل المسجد في البصرة وقد حان وقت الصلاة صعد المنبر فحمد الله ثم قال: (أيها الناس، إن الأمير عبد الملك قلدني بسيفين حين توليته إيايّ عليكم سيف رحمة وسيف عذاب ونقمة، فأما سيف الرحمة فسقط في الطريق، وأما سيف النقمة فهو هذا(، فجعل السيوف تبرى الرقاب فقتلوا من المسلمين بضعة وسبعين ألفاً حتى سالت الدماء إلى باب المسجد وإلى السكك. وقد ذكر الميرزا حبيب الله الخوئي في (منهاج البراعة(: ج3 ص 359 ما لفظه: (وأحصي من قتل بأمره ـ الحجاج ـ سوى من قتل في حروبه فكان مائة ألف وعشرين ألفاً ووجد في سجنه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، ولم يجب على أحد منهم قتل ولا قطع، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد لا سقف له، فإذا آوى المسجونون إلى الجدران ؛ يستظلون بها من حرّ الشمس، رمتهم الحرس بالحجارة، وكان طعامهم خبز الشعير مخلوطاً بالملح والرماد. وقريب من هذا المعنى في كتاب: (شجرة طوبى: ج1 ص128(، وقـال الشيخ عباس القمي في (وقائع الأيام(: (إنّ 15 ألف امرأة من سجنائه كن حافيات عاريات(. وقـد أذلّ المسلمين ؛ يقـول صـاحب كتـاب (أسد الغابة(: (عندما ولـي الحجـاج المدينـة ثلاثـة أشـهر، عبـث فيـها واستهـزأ بأصحـاب الرسـول (ص) وختـم علـى أعناقهم بالرصاص( ؛ لإذلالهم أمثال سهيل الساعدي وأنس بن مالك وختم في يد جابر بن عبد الله الأنصاري (. وقتل: كميل بن زياد وسليم بن قيس وقنبر مولى الإمام علي(ع) وسعيد بن جبير الذي كان عمره 99 سنة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وابن أم طويل( ـ وهو من حواريي الإمام السجاد(ع) ـ بعد أن قطع يديه ورجليه. للمزيد من المعلومات عن جرائمه راجع كتاب (الشيعة والحاكمون) وكتاب (الشيعة في الميزان) لمحمد جواد مغنية.


المصدر: كتاب فلسفة التاريخ للسيد الشيرازي رحمه الله.