السيد محمد الشيرازي.

البعض قسّم أدوار التاريخ إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: دور الآلهة، حيث كانت الشعوب الأمميّة تعيش في ظلّ حكومات تشرّع قوانينها بما تعتقد أنّه مشيئة الآلهة، وذلك عن طريق الرؤساء الدينيين أو من وحي الكهّان، فكان ما يقع في ذهن المشرع، يُنسب إلى الآلهة، سواء إله الخير، أو إله الشرّ، أو إله البحار، أو إله الشمس، أو ما أشبه ذلك. ويكون لحكم هؤلاء الرؤساء الدينيين أو وحي الكهّان، قداسة خاصّة لا يمكن تخطّيها، فمن تخطّاها يرون أنّه يعاند المشيئة الإلهية، فيستحقّ العقاب التكويني كالزلازل، والفيضانات، أو العقاب التشريعي مثل الإلقاء في النار، أو في البحر، أو في غابة لتأكله السباع، أو في بئر عميق، أو يستحق القتل بالجلد، أو الرجم، أو الذبح، أو قطع الأعضاء.

الثاني: دور الأبطال، حيث كان الاعتراف بأبطال أشدّاء محاربين، وكان الناس يعتقدون أنّهم أسمى من البشر، وتسود الأرستقراطية نُظم الحكم هذه، وفي هذا الدور نشأت الفروسية وكانت تمجِّد الحرب.

الثالث: دور البشر، حيث الإقرار بسواسية الناس، وبذلك ظهرت الأنظمة الديمقراطية بعد الممالك الاستبدادية.

قال هؤلاء: اجتازت كل الشعوب هذه الأدوار وهي تجتازها في تاريخها، حيث تتوالى في تعاقب دوري، تتّصل نهاية الدور الثالث بالدور الأول: إمّا لنفس الأمّة، أو لأمّة أخرى، وهي دائرة أزليّة مرسومة لكلّ أمّة.

أقول: إنّ هذه الأدوار الثلاثة ـ التي ذكروها ـ لا مصدر لها من تاريخ مقطوع، ولا دليل عقلي يدلّ عليها، والغالب أنّها من صنع الذين ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى وشرائع السماء، وإلاّ فمن يعترف بوجود الله سبحانه وتعالى وأنّ أبانا آدم (ع) هو أوّل الأنبياء جاء إلى الأرض، فكان الخليفة قبل الخليقة، لا يعترف بمثل هذه الأدوار، وإنّمـا تختلط هذه الأدوار بعضها مع بعض من ذلك اليوم وإلى هذا اليوم، كما نجد في الهند، أو الصين، أو بعض بلاد أفريقيا، الأدوار الثلاثة نفسها في وقت واحد، أو متعاقبة، على عكس ما ذكروه.

أقوال وردود

وقد ذكر بعض العلماء المعتقدين بهذا التقسيم مثالاً تطبيقياً للأدوار الثلاثة بطريقة مصر القديمة، قائلاً: في الدور الأوّل تكلّم المصريون اللغة الهيروغيليفية، ثمّ اللغة الرمزية، ثمّ سادت اللغة العامية للشعب، وكان المصريون القدماء على علم بهذا التقسيم لتاريخهم.

أقول: أنت ترى أنّه لا صحّة لهذا التقسيم، لا في مصر القديمة، ولا في سائر الشعوب.

وأسوأ من هذا التقسيم ما قيل: إنّ هناك لوحة تاريخية لأهمّ وقائع التاريخ القديم منذ خُلق العالم مستنداً إلى التوراة، فأبناء نوح بعد الطوفان لم يسيروا على نمطٍ واحد، وبينما حافظ أبناء سام على لغتهم وعاداتهم، تشتت أبناء حام على سطح الأرض، وعاشوا عيشة أقرب إلى الحياة الحيوانية، ففقدوا مزاياهم البشرية، وأصبحوا ذوي أجسام ضخمة، ومن ثمّ انقسم البشر إلى قسمين: من سلالة سام، وإلى عمالقة من نسل يافث وحام.

ثمّ يضيف هذا القائل: شَعَرَ العمالقة بالخوف من بعض الظواهر الجوّية كالبرق، والرعد، والصواعق، واعتبروها غَضَباً من الآلهة، فتحايلوا على إرضائه بالكهانة، وحينما استقرّت الأُسر؛ بسبب حرفة الزراعة، وملكيّة الأرض، أخذ العمالقة يفقدون ضخامة أجسامهم، ولكن بعضهم بقي على تشرّده، وأصبح هؤلاء في حالة أسرهم، خدماً وموالين للمزارعين من أصحاب الأراضي؛ وبذلك نشأ نظام الرقّ. وقد شكّل الآباء، أو الرؤساء من أصحاب الأراضي طبقة من النبلاء، كما شكّل الخدم والعبيد طبقة الرقيق، فتكوّن بذلك المجتمع الأرستقراطي، ولكن لما قويت شوكة رقيق الأرض، بدأ هؤلاء يحصلون على بعض المزايا، فتكوّن النظام الديمقراطي، ولكنّ ذلك أدى إلى الفوضى، فظهر رجل شديد البأس، قبض على زمام الأمور، وأعلن نفسه حاكماً مطلقاً، فتأسس بذلك حكم الفرد.

أقول: إن كلّ المذكورات ليست إلاّ أوهاماً من نسيج الخيال، وعلى أحسن الفروض ظنون لا دليل عليها مـن علـم ولا عمل، ولا مـن توراة ولا من غير توراة، وحتّى إذا كانت مستندة إلى التوراة، فالتوراة محرّفة في اعتقادنا كما يدلّ على التحريف التوراة نفسها على ما ذكرنا تفصيله في كتاب هؤلاء اليهود(39).

ثمّ يطبق هذا القائل آراءه في الأدوار الثلاثة على تاريخ اليونان، والرومان، ثمّ العصور الوسطى، فيرى أنّ عصور الأبطال لم تستمر طويلاً لدى اليونان، لأنّ ظهور الفلسفة عجّل الانتقال من الدور الإلهي إلى الدور البشري دون أن يبقوا مدّة طويلة في الدور البطولي، عكس ما حدث في عهد الرومان إذ طال الدور البطولي، ثمّ عاد الناس في العصور الوسطى إلى البربرية الشبيهة بالبربرية الأولى، فاجتازوا دوراً إلهياً جديداً، وهو دور يتولّى فيه الملوك المناصب الدينية، ثم اجتازوا دوراً بطولياً عندما نشأت الفروسية، وقامت الحروب الصليبية. أمّا الدور الثالث، فقد بدأ في العصر الذي عاش فيه هذا القائل. انتهى كلامه مع تعليقنا عليه.

الفلسفة العقلية ومعرفة التاريخ

والفلسفة التي تعتمد على آراء عقلية مجردة لا يمكن استخدامها في معرفة التاريخ، فالتاريـخ لا يمكـن أن يستكشف بالفلسفة، أو يقال عـن مثل ذلك، لأنّ التاريخ شيء حقيقي لابدّ أن يكتشفه الحاضر بنفسه، أو لا يكتشفه الغائب غير المخبر إلاّ فـي بعض الحفريات التي لا تدلّ حتّى على عشر هذه الآراء، فلم يبق إلاّ أن يخبر الإنسان الصادق المتّصل بالله سبحانه وتعالى، ومثل هذا الإنسان هو في اعتقادنا نبي الإسلام وآله المعصومون (ع)، حيث إنّهم يخبرون عن عالم الغيب؛ كما قال سبحانه وتعالى: ((فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً))(40)، والذي بأيدينا من تاريخ الحضارات السابقة علـى رسول الإسلام (ص) هـو تاريخ بعـض الأشخاص عادةً لا البشر، فإنّ الناس كانـوا يكتبون تاريـخ الحكومات، والحروب، والانتصارات والهـزائم، ومـا أشبـه ذلـك. ومثـل هـذا يوجـد أيضـاً بعـد نبـي الإسلام، حيث كتب بعض المتزلّفين تاريخ بني أميّة، وبني العبّاس(41)، والعثمانيين(42)، والقاجاريين(43)، ومن أشبههم، بينما نرى كثيراً من المؤرّخين بعد ظهور الإسلام بسبب عدّة من العوامل؛ كتبوا تاريخ الحضارة لا الحكّام، فإنّه كان للقرآن الكريم الأثر الأكبر في تصوّر المسلمين للتاريخ، وإنّ ما ذكره القرآن عن قصص الأنبياء مع أقوامهم ومع الطغاة أمثال نمرود(44)، وفرعون، وهامان(45)، إنّما أريد بها محورية الأنبياء الذين يجسِّدون خط الإصلاح، وليس محورية الطغاة، والجبابرة من الملوك والحكّام.

فإذا ذكر القرآن الكريم قصّة فرعون ذكره من حيث صلته بموسى(ع)، كما أنّه إذا ذكر قصّة عاد وثمود، ومن أشبههم، ذكرهم باعتبار اتّصالهم بالأنبياء وبسبب ذلك تحوّل التاريخ إلى الدين لا السياسة. وذلك لأنّ الهدف من قصص القرآن هـو الموعظة والاعتبار، فهـو هـدف ديني، أخلاقي، إنساني قـد أرجع الأمر إلى محلّه، حيث إنّ المعيار الإنسان خيره وشرّه وحقيقته وأخلاقه وعمله وقوله، كمـا قـال سبحانه وتعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى))(46). وفي المرحلة اللاحقة لنزول القرآن الحكيم، فقد ارتبط التاريخ الإسلامي في نشأته ارتباطاً وثيقاً بالحديث المرويّ عن رسول الله (ص)، وبعض أصحابه، أو عن الأئمّة الطاهرين (ع)، وتأثّر التاريخ في نشأته بمنهج رجال الحديث، والرواية، والإسناد، صحّتهم، وسقمهم، وصدقهم، وكذبهم، وأمّا من حيث الموضوع، فبالرغم من أنّه بدأ بما يسمّى بالمغازي، فلم يكن البدء بغزوات الرسول (ص) الّتي تمثل الجانب العسكري، وإنّما بسيرته كرسول حتّى إذا ذكروا تاريخ حروب الرسول وخصوصياتها ذكروا ذلك لتكون أسوة، كما قال سبحانه وتعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)) (47)، وهكذا مع أنّ بداية تاريخ التقويم الإسلامي قد حُدّد في عهد الرسول نفسه، ذكر ذلك العلاّمة المظفّر في كتابه البشرى بقدوم البشير، فلم يكن ذلك تاريخاً للحكّام وما أشبه ذلك، فإنّ السياسة لم تكن إلاّ وسيلة لغاية نبيلة، شريفة، هي نشر الدعوة، وإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، وهكذا ارتبط التاريخ بالحديث موضوعاً، فالحديث هو أقوال الرسول، وأفعاله، وتقريراته. فالتاريخ ابتدأ من الكتاب والسنّة، وذلك يحقّق هدفاً مشتركاً؛ هو تسجيل نظم الحياة الدينية، والفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعائلية، والتربوية، والعسكرية، وما أشبه ذلك، وكلّ ذلك لهُ جوانب حضارية.

والحاصل: أنّ التاريخ في الإسلام، بدأ من تاريخ الشعوب لا من تاريخ الحكّام والعسكريين، وقد قال سبحانه وتعالى: ((إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ))(48)، فالمحور هو التعارف بينهم، والتقوى في شرائعهم، وخصوصيّاتهم، ومعاملاتهم، وبذلك يجب أن نفهم فلسفة التاريخ الإسلامي، والتحليل التاريخي من هذا المنطق، لا من منطق الحكّام، والمستبدّين، والعسكريين، والغزاة في سبيل المال، والشهوة الجنسية، والسلطة.

أمّـا الإجماع، فهو مستند إلى قول رسول الله (ص): (لا تجتمع أمّتي على ضلالة)(49)، وإلى غير ذلك ممّا ذكر في علم الأصول، فليس بشيء جديد سوى الكشف عن قول المعصوم. ولذا نشاهد المسلمين قد اهتمّوا بسيرة النبي، والأئمّة والصحابة، والتابعين، وأصحاب الأئمّة، والعلماء، في سيرتهم، وأقوالهم، وأعمالهم، وما أشبه ذلك. أمّا الذين كتبوا حول الحكّام، فكانوا طلاّب رئاسة، ومال، وشهوة جنسية، وما أشبه ذلك، ولذا ذهب أولئك بسيرهم، وبقي العلماء بتواريخهم، ـ مثلاً ـ من زمان السيّد المرتضى(50)، والشيخ المفيد(51)، والشيخ الطوسي(52)، والسيّد الرضي، حيث مضى ألف عام وأكثر، الناس يعرفون هؤلاء العلماء، ويحبون ذكراهم، أمّا حكّام زمانهم، والزمان الذي جاء من بعدهم، فلا يُعرف عنهم شيء، فهم نكرات في التاريخ؛ لأنّ الخلود دائماً لأصحاب العطاء.

فما عطاء أولئك الخلفاء الذين فسقوا في الدنيا، وانغمسوا في شرب الخمور، وغيرها من الموبقات، فالمسلمون يريدون أن يعرفوا الحلال، والحرام، والواجب، والمستحب، والمكروه، وهو منشأ الصلاح لدينهم، ودنياهم، ولذا ورد: (الملوك حكّام على الناس والعلماء حكّام على الملوك)(53) وحتّى الخلفاء، والأمراء؛ على طول تاريخهم، كانوا خاضعين بدرجة، أو بأخرى للعلماء؛ لأنّهم يريدون كسب القلوب، والتقرّب إلى القلوب لا يكون إلاّ من طريق العلماء.

بل كان لنا الكثير من المؤرخين العلماء، الذين عاكسوا الخلفاء، والأمراء، وما أشبه، فقد سجّلوا ضد نظرهم، مثلاً سجّلوا واقعة صفّين، وغيرها، رغم حكومة معاوية المطلقة، وسجّلوا مقتل الإمام الحسين (ع)، وأخبار المختار بن أبي عبيدة الثقفي(54)، ومناقب آل البيت (ع)، وذكروا الحكّام المعارضين لهم كابن زياد، والحجّاج، وما أشبه، بكلّ نفرة وانتقاص، فقد صرف الخلفاء المبالغ الطائلة؛ لأجل توجيه الناس إلى مناحيهم لكن لم يجدوا إلاّ من يعاكسهم، ـ مثلاً ـ عجز الأمويّون عن أن يفرضوا على المؤرّخين مبدأ الجبر، الذي كانوا يعتنقونه، حتّى يقولوا للناس إنّ كلّ شيء يفعلونه إنّما هو بقضاء من الله وقدره، فلا حيلة للناس فيه، ومن يعارضهم، فإنّما يعارض قدر الله سبحانه وتعالى، ويستحقّ العقاب في الدنيا، والعذاب في الآخرة، بل كانت كتابات المؤرّخين تعكس المبدأ المعارض الذي هو عبارة عن مسؤولية الإنسان عن أفعاله، وأقواله، وحركاته، وسكناته.

التاريخ دينٌ لا سياسة

ومن هذه الجهة، نجد أنّ المسلمين، بعلمائهم، وعامّتهم، بنوا الأضرحة، والبنايات الضخمة، سواء عند السنّة أو الشيعة ـ مثلاً ـ قبر الإمامين الكاظمين(ع) في الكاظميّة، وهكذا بنى السنة قبر أبي حنيفة في بغداد، وقبر الشافعي في القاهرة، وإلى جانبه مسجد الإمام الحسين (ع)، وكذلك مقام السيّدة زينب (ع) في الشام.

ونجد إهمالاً متعمّداً لقبر معاوية، مؤسّس الدولة الأمويّة، بينما نجد لأهل البيت (ع) مقابر، وقباباً، وأضرحة، ومساجد، حتّى لطفلهم الصغير كالسيّدة رقيّة في دمشق، أو حتّى قطرة من دم الإمام الحسين (ع) الطاهرة لها مشهد؛ وأقيم عليها مسجد سمّي بمشهد النقطة في مدينة حلب، فلم يتمكّن الخلفاء بأموالهم الطائلة، وجيوشهم الجرارة أن يسيطروا على أفكار، وأقلام المؤرّخين؛ لأنّ عوامل أخرى أكثر فاعلية، كان لها الأثر، والتوجيه في مسار الفكر، والثقافة، والعلم، والهداية.

والخلفاء العبّاسيون على كثرتهم، وامتداد زمانهم ما يقارب خمسة قرون، لا أثر لقبر أحدٍ منهم إلاّ قبر هارون، وإنّما بقاء قبر هارون كان حسب معجزة للإمام الرضا (ع)، كما هو مذكور في التاريخ(55)، أمّا بقيّة أولئك الخلفاء فلا يعرف لهم قبر.

وهكذا قلب الإسلام الحضارة السابقة عليه من حضارة الحكّام إلى حضارة الأنبياء، والأئمّة، والعلماء. فمن يريد كتابة فلسفة الحضارة، أو التاريخ، يجب أن يلاحظ ذلك بعين الاعتبار، وأن يبدأ بما بدأ الله سبحانه وتعالى ممّا ذكرناه سابقاً الخليفة قبل الخليقة.

ومن الواضح أنّ الخليفة يورث الحكم إلى الخليفة لا للحكّام المستبدّين، والعسكريين، والديكتاتوريين، ـ وقد قال رسول الله (ص) في سعيه: (ابدؤوا بما بدأ الله، حيث قال سبحانه وتعالى: ((إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ))(56))(57)، فبدأ الرسول بالصفا اتّباعاً للقرآن الحكيم، حتّى وصل الأمر إلى عصر الديمقراطيين الذين اتّبعوا بعض طريق المسلمين في الحكم لا طريق المستبدّين والديكتاتوريين. وليس معنى ذلك أنه قبل الإسلام لم يكن تاريخ للأنبياء، وعظماء العلم، والزهد، والنسك، وإنّما معنى ذلك أنّ الغالب في تواريخ ما قبل الإسلام هم الحكّام، والملوك، والفراعنة، ومن أشبههم، وكان تاريخ الأنبياء ومن إليهم حاله حال نور الحباحب أنوار ضئيلة متفرقة هنا وهناك، بينما لمّا جاء الإسلام، صار النور كنور الشمس، فصار التاريخ تاريخ الأنبياء، والأوصياء، والعلماء، والزهّاد، والعبّاد، ومن إليهم، ولذا صار تصوّر المؤرّخين المسلمين أنّ النشاط والفعالية في الحضارة الإسلامية للأمّة جميعاً لا للفرد حسب الآية القرآنية حيث قال سبحانه وتعالى: ((خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ))(58) بل صار في عهد الخلفاء، والأمراء، ومن إليهم موضع نقد شديد من كافّة الأمّة حتّى المقرّبين منهم، فلم يُدرس التاريخ بسير ملوك أو سلاطين؛ لأنّهم لم يجدوا في أولئك علماً نافعاً، أو سيرة حسنة، فهل يكتبون أنّ الخليفة المتوكّل (59) كان من قوم لوط وفي الحال نفسه كان له غلامان يلوطان به، أو يكتبون أنّ الوليد(60) كان يدخل مع جواريه حوض الخمر، فيشربون منها حتّى يتبين عليه النقص(61)، ويكتبون أنّ حميد بن قحطبة بأمر من هارون العباسي قتل 60 علوياً في ليلة واحدة وألقاهم في البئر(62)، وهذا نزر قليل من جرائم هؤلاء الحكّام العتاة.

وهكذا جعل المؤرخون موضوع التاريخ، تاريخ الأنبياء وسنتهم، والأوصياء وسيرتهم، والعلماء ومذاهبهم، والحكماء وآراءهم، والزّهاد ومواعظهم، لأنّهم علموا أنّ المسلمين يتحرّون رضى الله سبحانه وتعالى في معاملاتهم، ومعاشراتهم، وأخذهم، وعطائهم.

نعم، أرّخوا شيئاً من قضايا الحكّام وشعرائهم ومن إليهم مع تجنّب غالب المؤرّخين في ذكر أحوالهم نقاط الضعف الكثيرة، فذكروا بعض أخبار الملوك وسياستهم وأسباب الدول ورجالها وشروعها وانقراضها وكثيراً من أعوان الملوك والوزراء وما يتّصل بذلك من الأقوال والأعمال. فكان الجانب الحضاري عندهم هو الجانب الأهم الذي هو جانب الروح والواقع والفطرة والعقل، لا جانب الجسد وملذّاته، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا))(63) فللدنيا نصيب، لكن اللازم هو تحرّي رضى الله والآخرة ورضى أنبيائه وأوليائه.

وكان الحقّ مع المؤرّخين الذين كتبوا تاريخ الأنبياء والأوصياء والعلماء وتركوا تواريخ الطغاة والجبابرة والفراعنة وهم النزر اليسير اليسير، فهل يكتبون قصص ألف ليلة وليلة(64) أو يكتبون قول الإمام علي (ع) في الخراج والضرائب عندما وصّى مالك الأشتر (65) بقوله: (وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله فإنّ في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم، لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاّ قليلاً… وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنّما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنّهم بالبقاء، وقلّة انتفاعهم بالعبر)(66).

أو هل يكتبون مخازي المأمون العبّاسي(67) وزواجه ببوران(68) وابتهاجه بيوم العيد وأمامه بنات النصارى سافرات متبرّجات في حالة لهو ورقص؟، أو قول الإمام علي (ع) في كتابه إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني الذي كان من عمّاله على البلاد يقول فيه: (بلغني عنك أمرٌ إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وعصيت إمامك، إنّك تقسمّ فيء المسلمين الذي حازته رماحُهم وخيولُهم، وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك (69) من أعراب قومك، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لئن كان ذلك حقّاً لتجدنّ لك عليّ هوانا ولتخفَّن عندي ميزاناً، فلا تستهن بحقّ ربّك، ولا تصلح دنياك بمحقّ دينك، فتكون من الأخسرين أعمالاً، ألاّ وإنّ حقّ من قِبَلك وقِبَلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء يردون عندي عليه ويصدرون عنه)(70) إلى غير ذلك من سيرتهم الطاهرة (ع) وأقوالهم الرفيعة في قِبال سفاسف الخلفاء والأمراء ومن إليهم.


الهوامش:

(39) يقع في 144 صفحة من القطع المتوسط، أُلِّف في كربلاء المقدّسة، وطبع عدّة طبعات بعدّة لغات.

(40) سورة الجن: الآية 26.

(41) بنو العباس: حكموا خمسمائة وأربعٍاً وعشرين سنة ابتداءً من 132 ه‍ ( 750م) وإلى سقوط بغداد سنة 656هـ (1258م) ؛ عندما احتلها هولاكو، وعدد خلفائهم سبعة وثلاثون خليفة، وهم: 1. السفاح 2. المنصور 3. المهدي 4. الهادي 5. هارون 6. الأمين 7. المأمون 8. المعتصم 9. الواثق 10. المتوكل 11. المنتصر 12. المستعين 13. المعتز 14. المهتدي 15. المعتمد 16. المعتضد 17. المكتفي 18. المقتدر 19. القاهر 20.الراضي 21.المتقي 22. المستكفي 23. المطيع 24. الطائع 25. القادر 26.القائم 27. المقتدي 28. المستظهر 29. المسترشد 30. الراشد 31. المقتفي 32.المستنجد 33. المستضيء 34. الناصر 35. الظاهر 36. المستنصر 37.المستعصم.

وفي زمانهم انفصلت عنهم دول عديدة منها الحمدانية في حلب والإخشيدية والفاطمية والأيوبية في مصر والغزنوية في أفغان والهند والسامانية في خراسان وما وراء النهر.

والدولة العباسية لم تختلف عن الدولة الأموية في سيرة حكامها من الظلم، والقتل، واللهو، واللعب، وشرب الخمور، وارتكاب الفجور، وإحياء الباطل، وإظهار البدعة، ومحاربة التشيع، بل زادوا على الأمويين في ظلمهم واضطهادهم وجبروتهم.

(42) تأسست الدولة العثمانية سنة 1281م وسقطت سنة 1922م وعدد خلفائها 37 خليفة وهم كالتالي: 1. عثمان الأول 2. أورخان بن عثمان 3. مراد الأول 4. بايزيد خان الأول 5.محمد جلبي ـ الأول ـ 6. مراد خان الثاني 7. محمد الثاني ـ الفاتح ـ 8. بايزيد خان الثاني 9. سليم الأول 10. سليمان الأول ـ القانوني ـ 11. سليم الثاني 12. مراد الثالث 13. محمد الثالث 14. أحمد الأول 15. مصطفى الأول 16. عثمان الثاني 17. مراد الرابع 18. إبراهيم الأول 19. محمد الرابع 20. سليمان الثاني 21. أحمد الثاني 22. مصطفى الثاني 23. أحمد الثالث 24. محمود الأول 25. عثمان الثالث 26. مصطفى الثالث 27. عبد المجيد الأول 28. سليم الثالث 29. مصطفى الرابع 30. محمود الثاني 31. عبد المجيد الثاني 32. عبد العزيز 33. مراد الخامس 34. عبد الحميد الثاني 35. محمد رشاد 36. محمد السادس 37. عبد المجيد الثالث الذي نفاه أتاتورك إلى مدينة نيس الفرنسية. ومن أخطر مثالبهم إضافة إلى الفساد والاستبداد هو ترك مصادر التشريع الإسلامي والتوسل بالقوانين الغربية الوضعية. للمزيد راجع كتاب موجز عن الدولة العثمانية للإمام المؤلف .

(43) سلالة إيرانية، حكموا منذ سنة 1210ه‍ (1795م) وإلى سنة 1343ه‍ (1925م) ولمدة 133سنة، وعدد ملوكهم سبعة ؛ أولهم محمد علي شاه وآخرهم أحمد شاه، وأبرز ملوكهم فتح علي شاه وناصر الدين شاه ومظفر الدين شاه، وفي عهدهم دخلت إيران في السلك الأوربي، وخسرت مدينة باكو وجورجيا ومعظم أرمينيا الفارسية ؛ بعد أن استولت عليها روسيا القيصرية، وأطاح بسلالتهم رضا بهلوي سنة 1343 ه‍ (1925م) للتفصيل عن قبيلة قاجار راجع أعيان الشيعة: ج3 ص 120.

(44) هو نمرود بن كوش بن حام بن نوح أول جبار على وجه الأرض وأول ملوك بابل بعد السريانيين وحكم 96 سنة، ويقال: إنه بنى مدينة نينوى عاصمة آشور والتي دمرت من قبل ملك بابل، بعث الله سبحانه إليه إبراهيم (ع) ليهديه ولكن نمرود أبى واستكبر وسجن إبراهيم ثم أحرقه بالنار ولكن الله سبحانه وتعالى أبى إحراقه فجعل النار برداً وسلاماً. راجع تاريخ اليعقوبي: ج1 ص 82.

(45) الوزير المعتمد لدى فرعون وساحره المفضل، والذي ساعده فـي ادعاء الربوبية، وأشار إليـه بإحضار السحرة مـن جميـع البلاد لمواجهة موسى، ولقـد ذمـّه القرآن فـي آيات عديدة منها: ((وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ)) سورة العنكبوت: الآية 39 ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ* إِلـَى فـِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَـارُونَ فَقَالـُوا سَاحـِرٌ كـَذَّابٌ)) سـورة غافـر: الآيتان 23ـ 24، وقد أشار المفسرون إلى بعض أعماله وتصرفاته في تفسير سورة طه والشعراء والقصص.

(46) سورة يوسف: الآية 111.

(47) سورة الأحزاب: الآية 21.

(48) سورة الحجرات: الآية 13.

(49) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج8 ص123 ب127، الاحتجاج: ج2 ص487، تحف العقول: ص458، الصوارم المحرقة: ص270. وفي كتاب الألفين: ص218: (لا تجتمع أمتي على الضلالة).

(50) السيد المرتضى: أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى المشهور بالمرتضى أو عَلَم الهدى، ولد سنة 355ه‍ (966م) في بغداد، وتوفي سنة 436 ه‍ (1044م)، ودفن في حرم الإمام الحسين (ع). من فقهاء الشيعة، عرف بالعلم والفضل والفقاهة، اهتم بتأسيس المكتبات في بغداد، وكانت مكتبته الشخصية تحتوي على 80 ألف كتاب، وقد اهتم بتربية الطلاب والمفكرين بعد أن أسس مدرسة لهذا الغرض وبعد أن خصص لهم رواتب شهرية، ومن تلامذته: الشيخ الطوسي وسالار الديلمي وأبو صلاح الحلبي والشيخ الكراجكي، وقد بلغت مؤلفاته التسعين منها: الشافي في الإمامة، الطيف والخيال، الدرر القلائد وغرر الفوائد والمشهور ب‍(الأمالي، تنزيه الأنبياء. ترجمه الكنى والألقاب ج2 ص482.

(51) الشيخ المفيد: أبو عبد الله محمد بن محمـد بـن النعمـان الملقـب بالمفيد، ولد سنة 336ه‍ (947م)، وتوفي سنة 413هـ (1022م)، وقد وجد على قبره مكتوباً بخط الإمام الحجة (عج):

لا صوت الناعي بفقدك أنه

إن كنت قد غيبت من جدث الثرى

والقائم المهدي يفرح كلما

يوم على آل الرسول عظيم

فالعدل والتوحيد فيك مقيم

تليت عليك من الدروس علوم

ويعد من الفقهاء المعروفين بالعلم والزهد والتقوى، آلت إليه الرئاسة الدينية في زمانه، وكان يحظى بمنزلة رفيعة في دولة آل بويه، ألّف أكثر من مائتي كتاب منها: الرسالة المقنعة، الأركان في دعائم الدين، الإيضاح في الإمامة، الإرشاد، الإفصاح، الاختصاص، العيون والمحاسن، نقض فضيلة المعتزلة. ترجمه روضات الجنات ج6 ص 153.

(52) الشيخ الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ولد بخراسان سنة 385 ه‍ (995م)، وتوفي 460ه‍ (1068م)، ودفن في داره في النجف الأشرف، وهي الآن مسجد يسمى بـ(مسجد الطوسي)، هاجر إلى العراق سنة 408 ه‍ (1017م)، واستوطن بغداد ؛ وكان يدرس فيها عند الشيخ المفيد وأدرك شيخه الحسين بن عبد الله الغضائري المتوفى سنة 411ه‍ كما تتلمذ عند السيد المرتضى قرابة 23سنة، وفي سنة 447ه‍ تعرض الشيعة في بغداد للقتل، والنهب، والسلب، من قبل الحاكم السلجوقي طغرك بك، وأحرق كرسيه الكلامي ـ الذي كان يدرّس عليه والذي يعدّ منصباً مهماً وما كان يعطى إلا لذوي المرتبة العالية في العلم والمعرفة، وأحرقت المكتبات والمدارس التي أسسها آل بويه سنة 381 هـ، وتعرض الشيخ للهجوم وأنقذه الله من القتل، وأحرقت داره بما فيها من الكتب المخطوطة والنفيسة، فبعد هذه الحادثة هاجر الشيخ إلى النجف الأشرف وأسس حوزة علمية هناك. وبقي اثني عشر عاماً بين درس وبحث، وهداية وإرشاد، وقد بلغ عدد تلاميذه المجتهدين ثلاثمائة مجتهدٍ. يقول عنه العلامة الحلي في الخلاصة صفحة 72: (شيخ الإمامية ووجيههم، رئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، صدوق، عين، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه).

بلغت مؤلفاته ستةً وأربعين مؤلفاً في الأخبار والأصول والفقه والتفسير والدعاء والرجال، منها: التهذيب، الاستبصار، العدة، المبسوط، التبيان، والمصباح، الرجال، الأمالي، الفهرست، الغيبة، النهاية، الخلاف.

(53) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج20 ص304 ب484 الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين (ع)، كنز الفوائد: ج2 ص33.

(54) مجاهد مقدام، ولد في السنة الأولى للهجرة النبوية (622م)، أحد الثوار الذين ثاروا على الطغيان الأموي، فسجنه عبيد الله بن زياد وعذبه وضربه بالقضيب حتى شتر عينه ثم نفاه للحجاز، وحكم الكوفة سنة 66ه‍ ثم ألحق بها الموصل وأرمينيا وآذربيجان بعد أن انتصر قائد جيشه إبراهيم بن مالك الأشتر ـ الذي كان مسجوناً في زمن معاوية مع أربعة آلاف وخمسمائة من الشيعة وأُطلق سراحهم بعد هلاك يزيد ـ على الجيش الأموي في معركة (أنجازر) في شمال العراق حيث قُتل فيها من الأمويين ثمانون ألفاً بما فيهم عبيد الله بن زياد والحصين بن النمير. وتتبع قتلة الإمام الحسين (ع) واقتص منهم فأدخل بذلك السرور والفرح على قلب الإمام السجاد (ع) وآل الرسول والثكالى واليتامى الذين استشهد آباؤهم مع الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء بعد خمس سنوات من استشهاد الإمام، وأنقذ العلويين من عبد الله بن الزبير عندما أراد إحراقهم في شعب أبي طالب حيث أرسل المختار إليه أربعة آلاف مقاتل كما ذكر ذلك المسعودي. واستشهد سنة 67 ه‍ (687م) في الدفاع عن الكوفة في الحرب التي دارت بينه وبين مصعب بن الزبير الذي طلب الولاية لنفسه في البصرة.

(55) يقول الشاعر دعبل الخزاعي في هذا الصدد في مجلس المأمون العباسي عن دفن هارون عند قبر الإمام الرضا (ع):

قبران في طوس خير الناس كلهم

ما ينفع الرجس من قبر الزكي***هيهات كل امرئ رهن بما كسبت

وقبر شرهم هذا من العبر***ولا على الزكي بقبر الرجس من ضرر

له يداه فخذ ما شئت أو فذر

(56) سورة البقرة: الآية 158.

(57) وقد ورد في الفصول المختارة: ص192 الحديث التالي: ( قال رسول الله(ص) حين بدأ بالصفا، نبدأ بما بدأ الله تعالى به)، وكـذا في تفسير العياشي: ج1 ص89.

(58) سورة الحجرات: الآية 13.

(59) المتوكل العباسي: جعفر بن المعتصم بن هارون، عاشر خلفاء بني العباس، ولد سنة 207ه‍ (822م)، وحكم سنة 232ه‍ (846م)، وقتل سنة 247 ه‍ (861م) من قبل ولده المنتصر في مجلس لهوه وطربه بين العود والناي. اتّسم حكمه بالقتل وسفك الدماء وعلى الخصوص لأهل البيت (ع) وشيعتهم، يقول ابن الأثير في كتابه (الكامل في حوادث سنة 236ه‍: (وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب وأهل بيته(، وكان من يبلغه عنه أنه يتولى علياً يقتله ويصادر أمواله، وقد ذكر أبو الفرج الإصفهاني: (إن المتوكل أمر واليه على مكة والمدينة أن يعاقب كل من يساعد آل أبي طالب بالإحسان، وقد بلغ بهم الفقر حداً أن العلويات كُنَّ يرتدين ملابس رثة وممزقة، ولم يكن عندهن سوى ثوبٍ واحدٍ، كن يتناوبن عليه وقت الصلاة، واستمر هذا الوضع إلى مقتل المتوكل، وكان يبذل الأموال للشعراء الذين يذمّون الشيعة فقد أعطى لأبي السمط ثلاثة آلاف دينار وعقد له على البحرين واليمامة وخلع عليه أربع حلل ؛ لأنه هجا الشيعة، وكان المتوكل أول خليفة يسخر في مجالس لهوه من سبطي رسول الله(ص) ؛ كما ذكر ذلك المسعودي. وسعى لهدم قبر الإمام الحسين (ع) وما حوله من المنازل والمباني أربع مرات ؛ لمنع الناس من الزيارة، أولاها سنة 233ه‍، وثانيها سنة 236ه‍، وثالثها 247 ه‍، وقد قتل العالم اللغوي يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت سنة 244ه‍ (858م) ؛ لأجل تشيعه. للمزيد راجع مروج الذهب: ج4 ص 47، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 137، ثمار القلوب للثعالبي: ص134، مقاتل الطالبيين: ص385.

(60) الوليد بن يزيد بن عبد الملك: ولد سنة 88 ه‍ (707م)، وقتل من قبل جنده في الحرب التي وقعت بينه وبين عمه يزيد بن الوليد سنة 126ه‍ (744م)، من حكام بني أمية، ويعد الحاكم الحادي عشر وحكم سنة واحدة وشهرين. أجمع أرباب التاريخ على كفره وزندقته، وعرف باستحلاله لكل حرمة، وارتكابه لكل بدعة، واقترافه لكل موبقة، فقد سلَّ سيف البغي على رقاب العلويين، وشدّد الحصار على شيعة أهل البيت وأئمتهم (ع)، وانتشرت في زمانه الدعارة، والمجون، فقد جاء في التاريخ أنه أزال بكارة ابنته وزنا بجواري أبيه اللائي ولدن له أولاداً، وجاء في تاريخ السيوطي ص451: إنه اشتهر بالتلوط، وكان يتظاهر بالفسق، وحمل المغنين من البلدان إلى البلاد الإسلامية، وأظهر الشراب والعزف في المجالس، حتى ذكر الطبري في تاريخه: ج5 ص 557: إنه شرب سبعين قدحاً في ليلة واحدة. كما أنه اتخذ في قصره بركة فكان يملأها خمراً ثم يتعرى ويدخل فيها ويشرب منها ويظل هكذا حتى يظهر النقص عليها، وفي إحدى الأيام أذّن المؤذن لصلاة الصبح وكان الوليد في حالة سكر ومعه إحدى الجواري وأقسم أن تصلي الجارية بالناس فألبسها لباس الخلافة وبعث بها إلى المسجد وهي في حالة سكر وجنابة لتصلّي بالناس، وانتشر في عهده المغنون أمثال ابن السريج، ومعبد، والغريض، وابن عائشة، وابن محرز، ودحمان. وفي مصادر التاريخ من أفعاله وأشعاره في الفسق ما يأباه الذوق والعرف الاجتماعي، وقد عزم على أن يبني أعلى الكعبة في بيت الله الحرام قبّة يشرب فيها الخمر، ويشرف منها سكران منتشياً على الطائفين ببيت الله الحرام.

وفي إحدى المرات، رأى آيات في المصحف الشريف، تتحدث عن الحساب والجزاء، فرمى المصحف بسهام وهو ينشد:

تذكرني الحساب ولست أدري

فقل لله يمنعني طعامي

أحقاً ما تقول من الحساب

وقل لله يمنعني شرابي

ومرة فتح القرآن فوجد ورقة فيها قول الله سبحانه وتعالى: ((واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد))، فمزق المصحف بسهمه وأنشد :

تهددني بجبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر

فها أنا ذاك جبار عنيد

فقل يا رب مزقني الوليد

كما ذكر ذلك في كتاب حياة الحيوان: ج1 ص 103، ومروج الذهب: ج3، ص228.

كما واعتبر المسلمين عبيداً له، فيحدثنا التاريخ أنه كان يبيع الولايات الإسلامية بما فيها، من الناس، والموظفين، والإمكانات، والثروات ؛ فعلى سبيل المثال: باع ولاية خراسان لنصر بن سياب، ثم بدا له أن يبيعها مرّة ثانية لمن يدفع أكثر، فباعها بما في ذلك واليها وعُمّاله إلى يوسف بن عمر. للمزيد راجع تاريخ الطبري وتاريخ السيوطي والأغاني والمستطرف ومروج الذهب وحياة الحيوان وعيون أخبار الرضا.

(61) للمزيد راجع كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: ج3 ص 307.

(62) وقد ذكر ذلك عيون أخبار الرضا بسنده عن عبيد الله البزاز النيسابوري عن حميد بن قحطبة والي خراسان ؛ إنه قتل في ليلة واحدة بأمر هارون في طوس ستين نفساً من العلويين طرح أجسادهم في بئر هناك. ولا يخفى أن حميد بن قحطبة ولي مصر والجزيرة قبل خراسان، ومات سنة 159ه‍.

(63) سورة القصص: الآية 77.

(64) وهي مجموعة قصص تتحدث أن الملك شهريار يكتشف خيانة زوجته فيقتلها ويقتل الذين شاركوها في الخيانة وينقم من النساء جميعاً ويقرّر أن يتزوج كل ليلة، واحدةً، ثم يقتلها مع بزوغ الفجر وظلّ دأبه هذا حتى تزوج من شهرزاد، ابنة وزيره، فأخذت تقصُّ عليه كلّ ليلة قصة لكي تحمله على استبقائها، وكانت كلما أدركها الصباح، سكتت عن الكلام، فكان هو يسألها في الليلة التالية لإتمام حديثها إلى أنْ أتى عليها ألف ليلة فاستعقلها ومال إليها واستبقاها. ولايخفى أن هذه القصص مجهولة المؤلف، ودارت حولها وأصولها ومؤلفها بحوث كثيرة، ولكن الثابت أنها ليست لمؤلف واحد وأنها وضعت في أكثر من عصر وأنها متأثرة بالأساطير والقصص الشعبية الفارسية والهندية. راجع الموسوعة الإسلامية لحسن الأمين: ج4، ص226، موسوعة المورد: ج9 ص 207.

(65) مالك بن حارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة النخعي، وجدّه الأعلى مدحج ؛ الذي تسمّت به قبيلة من أشهر قبائل اليمن، ولقب بالأشتر ؛ لأنه شترت عينه في إحدى الحروب أيام أبي بكر، ولد قبل بعثة الرسول (ص) واستشهد سنة 39ه‍ (659م)، صحابي جليل، وزعيم متميز، وسياسي محنك، وفارس مقدام، وشاعر قدير، ورئيس عسكر الإمام (ع) في معاركه وحروبه، اشتهر بالكرم والسخاء والنبل والفضيلة والعلم والتقوى، قال عنه الرسول الأكرم ?(ص): (إنه المؤمن حقاً وقال عنه الإمام علي (ع): (إنه ممن لايخاف رهنه ولاسقطته و لا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما يبطأ عنه أمثل , تعرض للنفي في عهد عثمان بن عفان حيث نفاه إلى الشام مع تسعة آخرين، ثم جلبه إلى الكوفة، ثم نفاه إلى حمص، وقد تحدّى عثمان، وزار أبا ذر رحمه الله في منفاه في الرّبذة وتولى دفنه. شارك في حرب الجمل وقتل عبد الله بن الزبير وكان عمر مالك آنذاك ثمانين سنة، وشارك في حرب صفين، وكان على ميمنة الجيش، وكانت له صولات وجولات، أصبح والياً للإمام علي (ع) على الجزيرة، ثم أرسله والياً إلى مصر بعد اضطراب أحوالها ومقتل واليها محمد بن أبي بكر، فقال له الإمام (ع): (ليس لها غيرك، فاخرج إليها رحمك الله..، وعندما وصل خبر إرساله إلى معاوية، بعث إليه (ملاك في منطقة العريش ؛ أن يدسّ السم في طعامه مقابل إعفائه من الخراج عشرين سنة، وعندما وصل مالك إلى العريش استضافه (ملاك بمقدار من السم المخلوط بالعسل، وكان مالك صائماً في ذلك اليوم فأثر السّم فيه واستشهد، وقد أبّنه الإمام (ع) كما ورد في نهج البلاغة قائلاً: (ومَا مَالِكٌ واللهِ، لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً ولَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً لا يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ ولايُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ، وقيل إنه (ع) قال: (لقد كان لي كما كنت لرسول الله، رحم الله مالكاً وما مالك لو كان صخراً لكان صلداً، ولو كان جبلاً لكان فنداً، وكأنه قَدْ قُدَّ مني قداً.

(66) نهج البلاغة: الكتاب53، شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد: ج17 ص70 ب53.

(67) المأمون العباسي: عبدالله بن هارون الملقب بالمأمون، سابع خلفاء بني العباس، ولد سنة 170 هـ (786م )، حكم سنة 198 ه‍ ( 813م)، واستمر في الحكم عشرين عاماً، وقتل سنة 218 هـ (833م) وعاش 48 سنة، وقد قتل أخاه الأمين سنة 198ه‍ ؛ وذلك لأن الأمين خلع المأمون من ولاية العهد ونصّب ابنه الصغير الذي كان عمره خمس سنوات، كما أنه قتل الإمام الرضا(ع).

(68) وكان ذلك سنة 210ه‍ (825م)، ويحدثنا التاريخ أن بعض ما أنفقه الحسن بن سهل وزير المأمون في زواج ابنته بوران على أمراء الدولة بلغ خمسين ألف ألف درهم إضافة إلى أربعة ألف ألف دينار. وقد ماتت بوران سنة 271ه‍ (884م).

(69) اعتامك: اختارك، وأصله أخذ من العيمة ـ بالكسرـ وهي خيار المال.

(70) نهج البلاغة: الكتاب 43، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص175 ب43.


المصدر: كتاب فلسفة التاريخ للسيد محمد الشيرازي رحمه الله.