السيد محمد الحسيني الشيرازي.

مسألة: من الضروري للباحث في التاريخ أن يعرف الفرق بين علم التاريخ وفلسفته(1)، فالعلم ـ بما هو علم ـ عبارة عن المفردات أو المجموعات السطحية الظاهرة من اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو تربوية، أو ما أشبه.
أمّا الفلسفة، فهي عبارة عن الروح العامة الدارجة في كلّ ذلك في أي بعد من أبعاد الحياة، مثلاً العوائل هي مفردات لعائلة زيد، وعائلة علي، وعائلة خالد، وهكذا. فالعلم، بأنْ يعلم كلّ إنسان كيف يصنع كلّ واحد مع زوجته وأولاده، وكيف تصنع الزوجة والأولاد مع أبيهم، أو كيف يصنع الأقرباء بعضهم مع بعض، بالنسبة إلى عائلة بني تميم، أو بني كلاب، أو بني ضبّة، أو ما أشبه ذلك.
أمّا الفلسفة، فهي عامّة بالنسبة إلى كلّ العوائل، فيؤخذ في الفلسفة المشتركات بينها، ويترك الخصوصيات حال ذلك حال الجنس أو النوع في الاصطلاح المنطقي. فالمنطقي لا ينظر إلى هذا الفرد الجزئي وتلك ـ كالشاة، أمّا المؤرّخ فهو ينظر إلى كلّ واحدة مفردة عن الأخرى، وإنّما المنطقي يأخذ حال الجزئي ـ الشاة مثلاً ـ بالنسبة إلى النوع، ولذا قال الحاج السبزواري:
فلازم للفيلسوف المنطقي *** أن ينظر اللفظ بوجهٍ مطلق(2)
وليس المراد باللفظ بما هو لفظ وإنما اللفظ بما هو مثال، وهكذا حال الجنس الشامل للجزئيات المختلفة للبقر، والشاة، والمعز، وغير ذلك. وهكذا الحال بالنسبة إلى مختلف الجزئيات لغير الحيوان ـ مثلاً، فتاريخ هذه الشجرة، وتلك الشجرة، علمٌ، أمّا بالنسبة إلى تاريخ المجموع سواء كان نوع البرتقال، أو جنس الشجرة، فهو جنسٌ، وهكذا يكون حال الخاصّ، والعرض العام باصطلاح المنطقيين، فقد يتكلّم حول مال زيد أو قبح عمرو، وهكذا بالنسبة إلى خالد، وبكر، أو غيرهم. أمّا بالنسبة إلى الفلسفي؛ فينظر إلى الجمال في أشخاص جميلين بقول مطلق، أو إلى القبح في هذا وذاك بقول مطلق.
هذا بالنسبة إلى الخاصّة وبالنسبة إلى العرض العامّ هكذا على ما ذكروه في بحث الكلّيّات الخمسة سواء ما ذكروه في الفقه، أو في الفلسفة، أو في الحكمة، أو في غيرها.
والحاصل: أنّ موضوع التاريخ، لمفرده، علم مستقل، ولمجموعه يدخل في نطاق الفلسفة، فالمؤرّخ إنّما يؤرّخ للذين دخلوا التاريخ، ولعبوا دوراً فيه، وحرّكوا مساره، سواء دخلوا التاريخ للإفساد كفرعون(3)، وهتلر(4)، وستالين(5)، أو دخلوا التاريخ للإصلاح، كما فعل الأنبياء والمصلحون، ولا فرق في ذلك بين الساسة، والقادة، والعلماء، والفلاسفة، والمفكّرين، والشعراء، والمخترعين، وأصحاب الصناعات والحرف.
ولا يقتصر التاريخ والفلسفة على الجانبين السياسي والعسكري، أو جانب ثالث، أو جانب رابع، أو ما أشبه ذلك، بل بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع سواء كانوا شخصيات، أو حضارات، أو أدياناً، أو حروباً، أو غير ذلك، ولذا فلكلّ من العلماء الذين ذكروا المفردات، والفلاسفة الذين ذكروا الروح العامّة للتاريخ، فضلٌ كبير بالنسبة إلى العلم والأجيال الآتية، فإنّ التحوّل في العصر الحديث من تاريخ الأفراد إلى تاريخ الحضارات ليس معناه أنّ تاريخ الأفراد صار منسيّاً؛ لأنّ الاستفادة تكون من الجانبين، فقد يكون بعض العلماء قد اتّخذ التاريخ والفلسفة معاً معياراً للعلم، فلهم علم التاريخ، ولهم فلسفة التاريخ.


(1) وقد عرف العلماء فلسفة التاريخ تعاريف عديدة، منشؤها اختلاف المناهج، منها :
1ـ لورد بو لينغبروك: الفلسفة التي تعلّم بالقدوة.
2ـ أنطونيو لايديولا: إنها تمحيص للمناهج، والمبادئ، والأنظمة لعلوم التاريخ، إضافة إلى كونها تاريخاً، شاملاً، ومكتوباً، وجَّهته أفكار فلسفية سابقة.
3ـ أد كزينو بول: إنه وقائع متتابعة على عكس العلوم التي تعتبر وقائع متكررة.
4ـ دور كهايم: تبحث في تحديد الاتجاه العام لتطور الإنسانية، وإيجاد قانون لحركة الحياة البشرية في خطوط دائرية أو مستقيمة.
5ـ وعرفه بعضٌ: إنه معرفة الروابط التي تربط الأحداث والوقائع المتفرقة ودراستها لتبين دوافعها وارتباطاتها ونتائجها، واستخلاص السنن من خلالها والاعتبار بالدروس والعظات فيها.
6ـ وعرفه الدكتور حسن سلمان في كتابه: النظرة القرآنية لتفسير حركة التاريخ ص36 بما يلي: معرفة التحولات، والتطورات التي تنقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى، ومعرفة القوانين المحكمة في هذه التطورات والتحولات.
(2) شرح منظومة السبزواري، قسم المنطق، مباحث الألفاظ: ص21 للإمام المؤلف.
(3) الوليد بن مصعب، ويكنى بأبي مصعب وهو فرعون موسى، الطاغوت والجبار والمتكبر والظالم والساحر والباغي الذي قال: (أنا ربكم الأعلى، وقد اختلف أرباب التاريخ في نسبه فبعض قال: إنه من اليمن، وآخر: إنه من العمالقة، وثالث: إنه من أقباط مصر كما ذكر ذلك اليعقوبي في تاريخه ج1 ص 186، وكلمة (فرعون في اللغة المصرية القديمة تعني الملك المتصرف أو الرب الذي له حق الأمر والنهي في شعبه أو من هم تحت سلطته وقد ورد اسم فرعون في القرآن 74 مرة، وتحدث عنه الباري سبحانه وتعالى في 27سورة، وقد حكم مصر وفلسطين وبلاد الشام وبلاد ما بين الرافدين في العراق واستمر حكمه على أقل التقادير 200 عام وقد استعان في ترسيخ حكمه ببعض الكهنة والسحرة وقد وصفه القرآن الكريم بما يلي: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )) (سورة القصص، الاية 4 و((إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ)) (سورة يونس، الآية 83. و((إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ)) (سورة الدخان، الآية 31. أرسل الله سبحانه وتعالى له موسى النبي وآزره بأخيه هارون وبعث معه آيات عديدة منها: العصا، والجراد، والقمل، والضفادع. لكن فرعون استكبر ولم يؤمن فأغرقه الله وجنوده والبالغ عددهم مليون شخص في النيل.
(4) أدولف هتلر ولد في النمسا سنة 1889 م، وانتحر في برلين سنة 1945م، تسلم مقاليد الحكم في ألمانيا سنة 1934م، أدت سياسته إلى نشوب الحرب العالمية الثانية 1939م، والتي ذهب ضحيتها قرابة الخمسين مليونَ إنسانٍ، وخسر المعركة بهجومه على روسيا سنة 1943، من مؤلفاته كتاب: (كفاحي).
(5) جوزيف ستالين ولد سنة 1879م، ومات سنة 1953م، أصبح الأمين العام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي ـ السابق ـ سنة 1924م، واستمر إلى سنة 1953م وأصبح رئيساً للجمهورية بين الفترة 1941ـ 1953م، اتّسم حكمه بالاستبداد والديكتاتورية، وقد قضى على خصومه في محاكم صورية، وقد قتل من الشعب أكثر من عشرين مليوناً لأجل تحويل النظام الزراعي التقليدي إلى المزارع الجماعية أو المزارع الحكومية. وقد سبب هذا التحويل سحق الطبقة الوسطى في المجتمع ممّا أدى إلى خفض الإنتاج الزراعي، ونقص الملايين من رؤوس الماشية، وإحداث مجاعات في البلاد وعلى الخصوص في أوكرانيا وشمال القفقاز.


المصدر: كتاب فلسفة التاريخ للسيد محمد الشيرازي رحمه الله.