السيد جعفر مرتضى العاملي.

قال ابن كثير:  قد علم بالتواتر: أنّه (عليه الصلاة والسلام) دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها، شرقي مسجده، في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثُمّ دفن بعده أبو بكر، ثُمّ عمر(رض)…

وقضية دفنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) في بيت عائشة موجودة في صحيح البخاري وغيره عن عائشة عموماً.. وعن ابن أختها عروة ابن الزبير، كما يلاحظ في أكثر الروايات..

أمّا نحن فنشكّ في ذلك كثيراً، وذلك:

أولاً: لأنّ بيت عائشة لم يكن في الجهة الشرقية من المسجد لأمرين:

أحدهما: أنّ خوخة آل عمر الموجودة في الجانب القبلي في المسجد، وهي اليوم ( يتوصل إليها من الطابق الذي بالرواق الثاني من أروقة القبلة، وهو الرواق الذي يقف الناس فيه للزيارة أمام الوجه الشريف بالقرب من الطابق المذكور.. ).

ـ هذه الخوخة ـ قد وضعت في بيت حفصة الذي كان مربداً، وأخذته بدلاً عن حجرتها حين توسيع المسجد..

وقد كان دار حفصة في قبلي المسجد، وكان بيت حفصة بنت عمر ملاصقاً لبيت عائشة من جهلة القبلة.

والمعروف عند الناس أنّ البيت الذي كان على يمين الخارج من خوخة آل عمر المذكورة هو بيت عائشة.

وعلى هذا.. فيكون بيت عائشة في قبلي المسجد لا في شرقيه حيث يوجد القبر الشريف، أي أنّه يكون في مقابله وبينه وبينه فاصل كبير..

الثاني: مما يدلّ على أنّ بيت عائشة كان في جهة القبلة من المسجد من الشرق، ما رواه ابن زبالة، وابن عساكر، عن محمد بن أبي فديك، عن محمد بن هلال: أنّه رأى حجر أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) من جريد، مستورة بمسوح الشعر، فسألته عن بيت عائشة. فقال: كان بابه من جهة الشام. قلت: مصراعاً كان أو مصراعين؟ قال: كان باب واحد.

وفي عبارة ابن زبالة: مستورة بمسوح الشعر، مستطيرة في القبلة، وفي المشرق والشام ليس في غربي المسجد شيء منها الخ..

وقال ابن عساكر: وباب البيت شامي. فيستفاد من ذلك:

أ : ما قاله المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني:

قوله في الحديث (فسألته عن بيت عائشة): في هذا دلالة على أنّ الحجرة التي دفن فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) لم تكن بيت عائشة، إذ فيه دلالة على أنّ السائل يعلم أنّ بيتها لم يكن في الموضع الذي دفن فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم).. ولذلك فهو يسأل عن موضع بيتها فيما عدا البيت الذي دفن فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) ليعرفه أين يقع..  انتهى.

ب: إنّ من المعلوم أنّ الجهة الشامية للمسجد هي الجهة الشمالية منه كما صرّحت به الرواية آنفاً – ويدلّ على ذلك أيضاً قول ابن النجار: ( قال أهل السير: ضرب النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) الحجرات ما بينه وبين القبلة، والشرق إلى الشام، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة عنه مديرة به، وكان أبوابها شارعة في المسجد ).

وأيضاً : ( وجه المنبر، ووجه الإمام إذا قام على المنبر بجهة الشام)..

ومن المعلوم: أنّ الجالس على المنبر يكون ظهره إلى القبلة، ووجهه إلى الجهة المقابلة لها..

وعليه.. وإذا تحقق ذلك.. وإذا كان باب بيت عائشة يقابل الجهة الشمالية: فإنّ ذلك معناه أنّ بيتها كان في جهة القبلة من المسجد.. وكان باب حجرتها يفتح على المسجد مباشرة، حتى إنّها تقول: إنّها كانت ترجِّل النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم)، وهو معتكف في المسجد، وهي في بيتها، وهي حائض.

وقد حاول البعض توجيه ذلك: بأنّ المراد من الباب الذي لجهة الشام هو الباب الذي شرّعته عائشة لما ضربت حائطاً بينها وبين القبور بعد دفن عمر..

وأجاب السمهودي بقوله: ( وفيه بُعد، لأنّه سيأتي ما يؤخذ منه أنّ الحائط الذي ضربته كان في جهة المشرق). وإذا كان في جهة المشرق ؛ فلابد وأن يكون الباب فيه مقابلاً للمغرب، لا لجهة الشام.

ج: ويدلّ على كون بيت عائشة في جهة القبلة: أنّ الحجر كانت تبدأ من بيت عائشة، وتنتهي إلى منزل أسماء بنت حسن كما نصّ على ذلك من شاهدها.

د: إنّ رواية ابن عساكر، وابن زبالة المتقدمة تنصّ على أنّه لم يكن لبيت عائشة إلاّ باب واحد، بمصراع واحد.. ومن المعلوم: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد صُلِّي عليه، على شفير حفرته، ودفن في حجرة لها بابان..

فقد روى ابن سعد، عن أبي عسيم، قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، قالوا: كيف نصلّي عليه ؟

قالوا: ادخلوا من ذا الباب إرسالاً إرسالاً، فصلّوا عليه، واخرجوا من الباب الآخر.. .

ويمكن الجواب عن هذا الأخير: بأنّ الجواب لابدّ أن يطابق السؤال، فإذا كان السؤال عن مصاريع الباب، لا عن عدد الأبواب، فلابد وأن يكون الجواب عن ذلك أيضاً.. ولا يدلّ ذلك على أنّه لم يكن للحجرة باب آخر.

هـ: وسيأتي: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) كان في مرضه (أي قبل انتقاله إلى بيت فاطمة) في حجرة عائشة؛ فكشف الحجاب؛ فكاد الناس أن يفتنوا، وهم في الصلاة لما رأوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم).. الأمر الذي يدلّ على أنّ حجرة عائشة قد كانت في طرف القبلة في مقابل المصلِّين..

وأمّا ما ذكرته الرواية من صلاة أبي بكر في الناس فقد كان ذلك على رغم النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم). وقد جاء (صلى الله عليه وآله وسلّم) رغم مرضه، وأخرّه، وصلى مكانه. ولهذا البحث مجال آخر..

وثانياً: قال ابن سعد: ( واشترى (يعني معاوية) من عائشة منزلها بمائة وثمانين ألف درهم، ويقال بمائتي ألف. وشرط لها سكناها حياتها. وحمل إلى عائشة المال، فما رامت من مجلسها حتى قسمته.

ويقال: اشتراه ابن الزبير من عائشة، بعث إليها – يقال – خمسة أجمال بخت تحمل المال، فشرط لها سكناها، حياتها، فما برحت حتى قسمت ذلك الخ.. ).

ولا ينبغي أن يتوهم: أنّ المقصود ببيت عائشة هنا هو البيت الذي أخذته من سودة، التي توفيت من أواخر خلافة عمر، إذ قد:

أسند ابن زبالة، عن هشام بن عروة، قال: إنّ ابن الزبير ليعتدّ بمكرمتين ما يعتد أحد بمثلها: إنّ عائشة أوصته ببيتها وحجرتها، وإنّه اشترى حجرة سودة.

فعائشة قد باعت بيتها وأكلت ثمنه، فمن أين يقولون إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) قد دفن في حجرتها ؟!

واحتمال أن يكون المقصود هو بيتها المستحدث، لا يصحّ، لأنّ سياق الكلام ناظر إلى حجر أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) التي كانت لهن من قبله (صلى الله عليه وآله وسلّم). كما إنّ معاوية لا يدفع هذا المال الكثير إلاّ لينال شرفاً، أو ليحرم الآخرين شرفاً بزعمه.. إلاّ أن كان هدفه هو تعظيم شأن عائشة، ولكن هذا بعيد عن سياسته تجاهها، فإنّ العلاقات بينهما لم تكن على ما يرام بسبب موقفه من آل الزبير وغيرهم ممن تحبهم.

وثالثاً: هم يقولون: إنّ الموضع قد ضاق حتى لم يعد يسع إلاّ موقع قبر واحد، فدفن فيه عمر..

فقد روى البخاري، وغيره: أنّ عمر بن الخطاب لما أرسل إلى عائشة يسألها أن يدفن مع صاحبيه، قالت: كنت أريده لنفسي، فلأوثرنّه اليوم على نفسي.. .

قال ابن التين: (كلامها في قصة عمر يدلّ على أنّه لم يبق ما يسع إلاّ موضع قبر واحد ). ويؤيد ذلك: أنّه ( لما أرسل عمر إلى عائشة ؛ فاستأذنها أن يدفن مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) وأبي بكر فأذنت، قال عمر: إنّ البيت ضيق، فدعا بعصا ؛ فأتي بها فقدر طوله، ثُمّ قال: احفروا على قدر هذه ).

وأيضاً.. فقد رووا: أنّه جاف بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) من شرقيه، فجاء عمر بن عبد العزيز، ومعه عبد الله بن عبيد الله، بن عبد الله بن عمر، فأمر ابن وردان: أن يكشف عن الأساس، فبينا هو يكشفه إلى أن رفع يده وتنحى واجماً، فقام عمر بن عبد العزيز فزعاً، فقال عبد الله بن عبيد الله: لا يروعّنك، فتانك قدما جدّك عمر بن الخطاب، ضاق البيت عنه، فحفر له في الأساس الخ..

وفي الصحيح، قال عروة: ما هي إلاّ قدم عمر. وإذ قد عرفنا: أنّ الحجرة التي دفن فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد ضاقت حتى دفن عمر في الأساس..فلننظر إلى بيت عائشة الذي كانت تسكن وتتصرف فيه.. فإننا نجده واسعاً وكبيراً.. وبقيت تتصرف فيه في الجهات المختلفة، فليلاحظ ما يلي:

1- مـا تقدّم من أنّ عائشة قد باعت بيتها لمعاوية، أو لابن الزبير وإذا كانت الحجرة قد ضاقت على عمر حتى دفن في الأساس، فإنّ النتيجة تكون هي: أنّ الموضع الذي دفن فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن هو بيت عائشة، كما تقول هي، وإنّما هو لغيرها.. أي أنّه لفاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) كما سيتضح..

2- إنّ عائشة قد عرضت على عبد الرحمن بن عوف أن يدفن مع النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلّم).. .

كما ومنع بنو أمية من دفن الحسن عند جدّه، حينما علموا أنّ الحسين يريد دفنه هناك.

بل يقال: إنّها هي التي تزعّمت عملية المنع عن دفنه هناك..  وإن كنا نرى البعض يدّعي إنّها قد أذنت في ذلك، لكن بني أمية قد منعوا منه..  كما أنّهم يروون أنّ عيسى بن مريم سوف يكون رابع من يدفن هناك..  وأيضاً.. فإنّ نفس عائشة بعد أن تصف القبور الثلاثة تقول: (وبقي موضع قبر).

بل، إنّ مما يدلّ على أنّ موضع إقامتها كان واسعاً، هو قولها: ما زلت أضع خماري، وأتفضل في ثيابي حتى دفن عمر، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جداراً.. وعن مالك قال: قسمت بيت عائشة قسمين: قسم كان فيه القبر، وقسم تكون فيه عائشة بينها حائط.

عجيب!!.. وهل بلغ بها التقى أن صارت تتستر من الأموات وهم في قبورهم ؟!..

فكيف إذن لم تتستر من عشرات الألوف من الرجال الأحياء حينما خرجت لتحارب أمير المؤمنين(عليها السّلام) في حرب الجمل، وغيرها ؟!..

وكيف توصي ابن الزبير بأن لا يدفنها مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) لأنّها لا تحب أن تزكّى.أو لأنّها قد أحدثت بعده؟ فلم لم تعلل ذلك بوجود عمر؟ أليست جثة عمر لا تزال موجودة في ذلك الموضع؟!..

وعلى كُلّ حال.. فإنّه بعد دفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في تلك الحجرة قد أخليت من ساكنيها وأظهرت للناس. وكان أول من بنى على بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) جداراً عمر بن الخطاب.

قال عبيد الله بن أبي يزيد: كان جداره قصيراً، ثُمّ بناه عبد الله بن الزبير…

وعن المطلب قال: كانوا يأخذون من تراب القبر، فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم، وكانت في الجدار كوّة، فكانوا يأخذون منها، فأمرت بالكوّة فسدّت:

أو أنّهم سدّوا أو ستروا على القبر بعد محاولة الحسين دفن أخيه الحسن هناك، اتقاء لمثل هذا الأمر حتى لا يتكرر بعد..

ويبدو أنّ عائشة قد سكنت قريب القبور، والظاهر، بل المقطوع به هو أنّ هذا البيت هو صحن دار فاطمة كما سنرى قد استولت عليه عائشة بمعونة الهيئة الحاكمة.. بعد أن أخلاه أصحابه – بعد دفن النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) في حجرتهم، وأظهر قبره (صلى الله عليه وآله وسلّم) للناس كما قلنا.. وبعد أن منعتهم السلطة من إرث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)..

رابعاً: إنّ الأدلة تدلّ على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد دفن في بيت ابنته فاطمة الزهراء (عليها السّلام)، كما إنّ عائشة كانت مستقرّة في دار بيت فاطمة (عليها السّلام) هذا، وضربت جداراً بينها وبين القبور وبقيت في هذا البيت الطاهر – كما قدمنا – الذي كان في وسط بيوت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كما ذكره ابن عمر.

ونستند في ذلك إلى ما يلي:

1- روى الصدوق في أماليه رواية مطوّلة، عن ابن عباس، جاء فيها: (.. فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وصلّى بالناس، وخفف الصلاة، ثُمّ قال: (ادعوا لي علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، فجاءا، فوضع (صلى الله عليه وآله وسلّم) يده على عاتق علي، والأخرى على أسامة، ثُمّ قال: انطلقا بي إلى فاطمة) فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن والحسين..  ثُمّ ذكر قضية وفاته هنا[32].

2- قال السمهودي: ( أسند ابن زبالة، ويحيى بن سليمان بن سالم، عن مسلم بن أبي مريم، وغيره: كان باب فاطمة بنت رسول الله في المربعة التي في القبر، قال سليمان: قال لي مسلم: لا تنس حظّك من الصلاة إليها، فإنها باب فاطمة (رضي الله عنها)، الذي كان علي يدخل عليها منه). 

وعن ابن أبي مريم: ( إن عرض بيت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى الاسطوانة التي خلف الاسطوانة المواجهة للزور قال: وكان بابه في المربعة التي في القبر.

وقد أسند أبو غسان، كما قال ابن شبة، عن مسلم بن سالم بن مسلم أبي مريم، قال: عرس علي (رضي الله عنه) بفاطمة بنت رسول الله إلى الاسطوانة التي خلف الاسطوانة المواجهة للزور. وكانت داره في المربعة التي في القبر. 

وقال مسلم: لا تنس حظّك من الصلاة إليها، فإنّه باب فاطمة، التي كان علي يدخل إليها منها، وقد رأيت حسن بن زيد يصلّي إليها .

فهل كان علي (عليه السلام) يدخل على زوجته من وسط حجرة عائشة؟ أم أنّ عائشة أو غيرها من زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلّم) كانت من محارمه (عليها السّلام)؟! إنّ ذلك إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ ذلك الموضع هو بيت فاطمة التي ظلمت في مماتها، كما ظلمت في حياتها: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).. وليس بيت عائشة كما تريد أن تدّعي هي ومحبوها!!..

3- إنّ لدينا ما يدلّ على أنّ شرقي الحجرة كان في بيت فاطمة – وإذن.. فعائشة كانت تسكن في بيت فاطمة حينما ضربت الجدار!!..

قال ابن النجار: وبيت فاطمة اليوم حوله مقصورة، وفيه محراب، وهو خلف حجرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم). قلت ( أي السمهودي ): الحجرة اليوم دائرة عليه، وعلى حجرة عائشة بينه وبينه موضع تحترمه الناس، ولا يدوسونه بأرجلهم، يذكر أنّه موضع قبر فاطمة(رضي الله عنها). وقد اقتضى ما قدمناه: أنّ بيت فاطمة كان فيما بين مربعة القبر، واسطوانة التهجد .

وعن مدفن فاطمة (عليها السّلام) يرى ابن جماعة أنّ أظهر الأقوال هو إنّها دفنت في بيتها ( وهو مكان المحراب الخشب داخل مقصورة الحجرة الشريفة من خلفها، وقد رأيت خدّام الحضرة يجتنبون دوس ما بين المحراب المذكور، وبين الموضع المزور من الحجرة الشريفة الشبيه بالمثلث، ويزعمون أنّه قبر فاطمة ).

ومن الواضح: أنّ اسطوان التهجد يقع على طريق باب النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) مما يلي الزوراء. أي خلف بيت فاطمة.

قال السمهودي عن موضع تهجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم): ( قلت: تقدّم في حدود المسجد النبوي ما يقتضي أنّ الموضع المذكور كان خارج المسجد تجاه باب جبريل قبل تحويله اليوم. وهو موافق لما سيأتي عن المؤرخين في بيان موضع هذه الاسطوانة .

وإذا كان كذلك فإنّ بيت علي يقع بين باب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والحجرة الشريفة، وباب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو أوّل الأبواب الشرقية مما يلي القبلة، وقد سدّ الآن، ويقولون: أنّه سمي بذلك لا لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يدخل منه، بل لأنّه في مقابل حجرة عائشة.. بل نجد ابن النجار يصرّح بأنّ هذا الباب هو نفسه باب علي (عليه السلام)…

وهذا يعني أنّ ما بين الحجرة التي فيها القبر الشريف، وباب النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) كان من بيت فاطمة (عليها السّلام)، وحيث دفنت. (ويدل عليه إنّها دفنت (عليها السلام) داخل مقصورة الحجرة من خلفها.. أي تماماً حيث كانت عائشة مقيمة، بعد أن ضربت الجدار على القبور التي كانت مكشوفة لكل أحد، فتصرفت فيه عائشة بمساعدة السلطة بعد أن تركه أهله الذين حرموا منه بسبب حرمانهم من إرث نبيهم، أو بسبب ضغوط أخرى لم يستطع أن يصرح لنا بها التاريخ..

4- ويدلّ على ما ذكرناه أيضاً قول السمهودي في مقام بيان موضع باب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وباب جبريل.. : (الثاني: باب علي، الذي كان يقابل بيته الذي خلف بيت النبي).

وقال أيضاً: ( ويحتمل أنّ بيت علي (رضي الله عنه) كان ممتداً في شرقي حجرة عائشة (رض) إلى موضع الباب الأول ( يعني باب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فسمي باب علي بذلك، ويدلّ له: ما تقدم عن ابن شبة في الكلام على بيت فاطمة، من أنّه كان فيما بين دار عثمان التي في شرقي المسجد، وبين الباب المواجه لدار أسماء ويكون تسميته الباب الثاني بباب النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) لقربه من بابه الخ..).

وإذن.. فبيت فاطمة يكون ممتداً من شمالي الحجرة التي دفن فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى شرقيها – وإذا صحّ كلام ابن شبة هذا – فإنّه يصل إلى قبليها أيضاً.. والمفروض أنّ باب فاطمة وعلي كان شارعاً في المسجد أيضاً.. فكيف استدار بيت فاطمة على بيت عائشة وطوقه بهذا الشكل العجيب من الشمال إلى الشرق.. ويحتمل إلى القبلة أيضاً؟!.. عجيب!! وأي عجيب!!..

وإذن فما معنى أن تسكن عائشة في شرقي الحجرة وتضرب بينها وبين القبور جداراً؟ أو ليس شرقي الحجرة كان جزءاً لبيت فاطمة؟! وكيف يكون باب بيت فاطمة في نفس حجرة عائشة؟! 

وهل هناك مسافات شاسعة بين المسجد، وبين باب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أو باب جبريل تسع عدة بيوت وحجر؟! إن كُلّ ذلك يدلّ على صحة رواية الصدوق المتقدمة وإنّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد توفي، ودفن في دار فاطمة، لا في دار عائشة..

ونعتقد: أنّه قد انتقل من دار عائشة إلى دار فاطمة في نفس اليوم الذي توفي فيه، وهو يوم الاثنين، وذلك لأنّه في يوم الاثنين، وحين صلاة الفجر كان لا يزال في بيت عائشة الذي لجهة القبلة، إذ قد روى البخاري: أنّ المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة.. إلى أن قال: وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم ؛ فرحاً برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم)…

وبضمّ رواية الصدوق المتقدمة الدالة على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) خرج فصلى في الناس وخفف الصلاة، ثُمّ وضع يده على عاتق علي(صلى الله عليه وآله وسلّم) والأخرى على عاتق أسامة، ثُمّ انطلقا به إلى بيت فاطمة، فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها، ثُمّ يذكر قضية استئذان ملك الموت، ثُمّ كانت وفاته بعد مناجاته لعلي (عليها السّلام)؛ فراجع..

فبضمّ هذه الرواية إلى ما تقدّم نفهم أنّه قد انتقل إلى بيت فاطمة في نفس اليوم الذي توفي فيه، بعد أن صلى بالناس. وأمّا أنّه رفع الستر ثُمّ عاد فأرخاه ؛ فلم يروه حتى توفي حسبما ذكرته رواية البخاري الآنفة الذكر، فلا يصحّ ؛ لأنّ رواية ابن جرير تصرّح بأنّه عزل أبا بكر عن الصلاة في نفس اليوم الذي توفي فيه، فراجع.

وبعد ذلك كله.. فإنّه لا يبقى أيّ شكّ أو ريب في أنّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد دفن في بيت فاطمة، لا في بيت عائشة ولكن فاطمة قد ظلمت بعد مماتها كما ظلمت في حال حياتها..  وسيعلم الذين ظلموا آل محمد، عن طريق تزوير الحقيقة والتاريخ، فضلاً عن مختلف أنواع الظلم الأخرى.. أي منقلب ينقلبون…