الشيخ حيدر حب الله.

السؤال: كيف نُثبت مصداقيّة كثير من المراقد المنسوبة لأهل البيت عليهم السلام؟

الجواب: عمليّة الإثبات يفترض أن تنطلق من معطيات علميّة وموضوعيّة، تفيد اليقين العادي، وليس بالضرورة اليقين الفلسفي أو الرياضي، تماماً كما هي الطرق العلميّة في إثبات الآثار والمعالم التاريخيّة، مثل:

أ ـ وجود لوحة (شاهد، أو نحو ذلك) قديمة جداً على القبر ترجع لزمن الشخص المتوفّى، أو قريب منه، تؤكّد هويّة صاحب القبر، دون أن يكون هناك معطيات تسمح بافتراض حصول تزوير أو تلاعب. ومن هذا النوع مراجعة تاريخ الأبنية والعمارات وأحجارها وما كتب على جدرانها وتاريخ هذه الكتابة، وغير ذلك.

ب ـ وجود دوافع عظيمة للاهتمام بالقبر وصاحبه منذ لحظة وفاته، مع عدم توفّر ما يسمح بافتراض حصول تزوير أو اختلاق، مثل قبر النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، حيث تتوفّر الدواعي الدينية والاجتماعيّة الكبيرة للاهتمام بالقبر وزيارته منذ عصره صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.

ج ـ وجود اشتهار تاريخي واسع يرجع إلى زمن قريب جداً من عصر صاحب القبر، مع عدم وجود معطيات تشكّك في منشأ هذا الاشتهار، فإنّ تاريخ الشعوب والعادات والمناطق يُعرف أيضاً بالاشتهار العظيم الممتدّ زمنياً، دون وجود ما يعاكسه أو يسمح بفرضيّة بحثية أخرى فيه، ولا تكفي الشهرة بين المتأخّرين جداً عن عصر صاحب القبر ما لم يتم تأمين الدعم لها من خلال معطيات أخرى.

د ـ جمع الوثائق والمعطيات والمعلومات المبعثرة في التراث، والشهادات، ونصوص المؤرّخين والعلماء والرحّالة المسلمين وغيرهم، والتي باجتماعها تزداد فرص التأكّد من هويّة صاحب القبر، ومن ذلك وجود روايات عن النبيّ وأهل بيته في التحديد الدقيق للقبر ومكانه وهويّة صاحبه وتكون هذه الروايات معتبرة وذات قيمة علميّة.

هـ ـ ثبوت تلقّي الأجيال فعلاً منذ قديم الأيّام جيلاً بعد جيل هويّة صاحب القبر، دون أن نعثر على مبرّرات موضوعيّة لنشوء هذا التلقّي الشعبي الممتدّ زمنيّاً بشكل طويل غير صحّة النسبة، وأمّا التداول الشعبي المتأخّر فهو لوحده غير كافٍ. فمن يريد أن يتعامل مع هذه الموضوعات بطريقة علميّة عليه أن لا يبني ـ فقط ـ على التراكم الشعبي العاطفي في هذا المجال.

فمثل هذه المعطيات إذا اجتمعت كلّها أو بعضها يمكن أن تفيد العلم بالنسبة.

وأمّا سكوت العلماء عن مرقد معيّن أو موضع منسوب لنبي أو وليّ أو.. مرّ به أو عليه، فإنّه ليس بحجّة دائماً؛ لأنّ العلماء غالباً ما لا يتوقّفون عند هذه الاشياء بحيث لو سكتوا لكشف سكوتهم عن ثبوت النسبة واقعاً عندهم، وكثيراً ما يسكتون لأنّهم يرون أنّه لا داعي هنا للتشكيك، أو قد يكون التشكيك مضرّاً من وجهة نظرهم، أو لا حاجة لصرف الناس عن التعبّد في تلك المواضع واستذكار الله وأوليائه فيها، ولهذا لو سألتهم عنها علميّاً فقد لا يكون أغلب ما ينسب اليوم ثابتاً عند كثيرين منهم، بل النادر جداً من العلماء الذين يبحثون في هذه القضايا أساساً.

وأمّا الكرامات عند المراقد والأماكن التي من هذا النوع، فليست دليلاً كافياً عادةً؛ لأنّ الكرامة قد تحصل مع الاشتباه في تحديد موضع القبر؛ فإنّ شفاء مريض عند القبر ليس مربوطاً بوجود جثّة صاحب القبر فيه، بل القضية تتصل بالروح والإيمان أكثر مما تتصل بالعنصر المادي، أو لا أقلّ من احتمال ذلك، فمن البعيد أن يتوقّف ترتيب الكرامة على كون القبر هو بالفعل قبر هذا النبي أو الوليّ، فالمهم في الكرامة هو النيّة والجانب الروحي، وليس العنصر المادي بالضرورة.

وكذلك الحال في المنامات، فإذا رأى شخص مناماً يثبت فيه أنّ صاحب القبر الفلاني هو النبي الفلاني فهذا لا يصحّ الاحتجاج به، ولا دليل على حجيّته لا علميّاً ولا دينياً وتعبّديّاً، ما لم يرفق بشواهد قاطعة، ومن ذلك نجد ـ كما قلنا في مناسبة أخرى ـ أنّ العلماء لا يحتجّون برؤية الأنبياء والأئمّة في المنامات إذا أصدروا لهم فتاوى وأحكاماً شرعيّة، ويعتبرون المنامات لا ترقى إلى مستوى أن تكون وسيلةً علميّة أو شرعيّة إثباتية، ولهذا لا يعتمدونها أيضاً في العلوم العقائديّة ولا في القضاء وفضّ النزاعات والشهادات وغير ذلك.

ودائماً أجدني أقيّد الطرق الخمسة المتقدّمة بعدم وجود معطيات معاكسة لها، فإنّ هذا الأمر ضروريٌّ للغاية، ومن نوع المعطيات المعاكسة اشتهار انتساب قبر لنبي أو وليّ في بلدة أو قرية أو مدينة مع وجدان نفس القبر منسوباً إلى نفس النبي في مدن أو مناطق أخرى، بحيث يجزم أهل البلدان المختلفة بانتساب القبر إلى ذلك الولي الذي عندهم، فنجد قبر النبي يونس عليه السلام مثلاً في عدّة بلدان، ما لم يفسّر ذلك بأنّه إشارات لتواجده هناك أو مروره فقط، وهكذا. كما يجب على الباحث أن يأخذ بعين الاعتبار احتمال قِدَم القبر جداً لكنّ نسبته إلى شخص بعينه تحتاج إلى دليل، فقد يكون القبر راجعاً إلى ألفي عام أو أكثر لكنّ هذا لا يعني أنّه قبر هذا النبي أو ذاك. ومن ذلك أيضاً أن تقدّم الوثائق التاريخية شاهداً على وفاة شخص في بلد، فيما نجد أنّ قبره في بلد آخر، فما لم يقدّم تفسير لهذا الأمر مرفق بمعطيات معينة فإنّ الشواهد التاريخية سوف تعارض المعطيات المثبتة لهويّة صاحب هذا القبر.

ومن هنا، يرى الكثير من الناقدين والمحقّقين في هذا المجال مثل السيد محسن الأمين العاملي وغيره، أنّ آلافاً ـ وربما عشرات الآلاف ـ من القبور أو الأماكن المنسوبة لأنبياء أو أئمّة أو صحابة أو أولياء أو شخصيّات معينة.. لا يوجد أيّ دليل علمي يفيد الظنّ الغالب على صحّة الانتساب فيها، وأنّ ما هو ثابت لا يتعدّى ـ ممّا هو مدّعى على امتداد العالم الإسلامي ـ نسبة الواحد في المائة، وإنّما هي تقاليد وموروثات شعبيّة لا تقوم على معطيات علميّة.

ويجب أيضاً أن لا يغيب عن ناظرنا أنّ موضوع نسبة قبور أو أماكن إلى رموز دينية أو تاريخيّة قد تقف خلفها أيضاً مصالح مالية أو تجاريّة أو سياحيّة أو حتى اجتماعيّة وقبليّة ومناطقيّة، بل وسياسيّة أيضاً، فكثيراً ما وُجد قبر لشخص صالح فنسب لنبيّ من الأنبياء ليكون في ذلك شأنٌ لأهل تلك القرية أو المحلّة، وهذا أمر ينبغي أن لا نغفل عنه في سياق الدراسة العلميّة لهذه الأمور.

وأشير أخيراً إلى أنّه قد بلغني أنّ موسوعةً تعدّ للمراقد والمقامات والأماكن الدينيّة في العراق، وقد تناقشتُ مع بعض الإخوة في ضرورة أن يكون ذلك مرفقاً بتقويم كلّ موضع منسوب لشخص أو نبي أو إمام أو وليّ أو عالم أو حدث من الأحداث، إلا أنّ بعض المشرفين على هذا العمل الكريم اعتبر أنّ ذلك غير ممكن الآن، وأنّ المرحلة هي مرحلة الكشف عن ذلك، وإعداد تقرير علميّ موسّع فيما هو موجود بالفعل.. وقد سمعنا عن مشروع شبيه بذلك في لبنان أيضاً والله العالم.. نأمل للجميع التوفيق في العراق وخارج العراق، مع أمل آخر في أن يقوم المختصّون بمثل هذه الدراسات بالإعداد لدراسات أو موسوعة لاحقة موسّعة ودقيقة تكشف حقيقة عشرات الآلاف من مثل هذه الأماكن الدينية في بلاد المسلمين قاطبة، ليكون في ذلك المزيد من الوعي والمعرفة إن شاء الله، إن لم يكن لنا فللأجيال القادمة.

 

المصدر.