استعرضنا في الفصول المتقدمة من هذا الكتاب حالة العرب السياسية قبل الإسلام على قدر ما أدّى إليه بحثنا، وساعفتنا عليه الموارد. أما في هذا الفصل وهو خاتمة فصول القسم السياسي، فنستعرض حالة العرب السياسية في القرن السادس للميلاد بوجه عام،

والقرن السادس للميلاد، فترة من الفترات المهمة في تأريخ البشرية، فيه ظهرت أمارات الشيخوخة على الانبراطورية الساسانية التي شيدها “أردشير الأول” على أثر الثورة التي اندلعت عام “224 م” أو “226 م”، ثم لم تلبث إن انهارت في القرن السابع للميلاد بسرعة عجيبة، وبأيد لم يحسب لوجودها حساب، ومن مكان لم يكن له قبل ظهور الإسلام أثر ما فعاًل في السياسة العالمية. وفي هذا القرن أيضاً برزت الأمراض العديدة التي ألمّت بالقيصرية، والأملاك التي كانت خاضعة لها، وهي أمراض لم تنج منها إلا ببتر بعض أطرافها في القرن التالي له، فخرجت من ردهة العمليات تئن من فاجعة الألم الذي حلّ بها، ومن هول ما أصيبت به بذلك البتر.

وفي النصف الثاني من هذا القرنُ ولدَ الرسول، وبميلاد الرسول ظهر حدث تأريخي خطير للبشرية في النصف الأول من القرن السابع للميلاد، يكفي إن أثره قائم حتى الآن، وانه سيقوم إلى ما شاء. الله، وانه أوجد مفاهيم خلقية جديدة للبشرية، وانه بشر برسالة قائمة على إن الدين لله، وان الناس أمامه سواء، لا فرق بين فرد وآخر وجنس وجنس، ولا تمييز للون على اخر، ثم لم يلبث إن انتشر بسرعة عجيبة لم ينتشر بمثلها دين من الأديان، فقضى على إحدى الانبراطوريتين العظيمتين في عالم ذلك العهد، واستأصل الأعضاء الثمينة من الانبراطورية الأخرى، وأوجد من أشتات سكان جزيرة العرب أمة، ومن قبائلها المتنازعة حكومة ذات سلطان، وفاض على سداد الجزيرة، وسقى ما وراءها من أرضين، ثم وحد بين أقوام عديدين وجمعهم في صعيد دين الله.

وقد ابتلي هذا القرن والنصف الأول من القرن التالي له بأوبئة وبآفات وبمجاعات زادت في مشكلاته الكثيرة التي ورثها من القرون السابقة له، ففيه انتشرت أوبئة ابتلعت بضع مئات من البشر في كل يوم من أيام انتشارها، كانت كالعواصف تنتقل من مكان إلى مكانّ مكتسحة من تجده أمامها من مساكين، وتعود بين الحين والحين لتبتلع ما يسد حاجتها من البشر والحيوانات. وفيه ُمني العالم بزلازل وبنقص كبير في الغلات أوجد قحطاً ومجاعةً وفقراً في كثير من الأقطار، حتى اضطر كثير من الناس إلى هجر الأماكن المنكوبة والارتحال عنها إلى أماكن أخرى فيها النجاة والسلامة.

ولا ريب إن ظروفاً هذه حالتها، لا بد إن تتولد منها مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية للحكومات وللرعية، فاختل الأمن خاصة في المناطق الواقعة تحت أقدام الجيوش، فيوماً تكتسحها جيوش الفرس فتهدم كل ما تجده أمامها من قرى ومدن، ويوماً تغزوها جيوش الروم فتستولي على ما تجده أمامها من حاصلات زراعية ومن أموال. وفي ظروف هذه شأنها لا بد إن يجد الخارجون على النظام والطامعون في الربح السهل الحرام فرصاً مواتية لا يفرط فيها للكسب والظفر بما يرغبون فيه، فتأثرت بذلك حالة سكان هذه الأرضين، كما تعرضت التجارة للأخطار، واضطر التجار إلى سلوك طرق ثانية ليكونوا بمأمن من شر قطاع الطرق وفسادهم. وترك أكثر الناس مزارعهم وقراهم فراراً من هذا الوضع إلى المدن الكبيره البعيدة عن مواطن الغزو والأخطار،. فتحولت خيرة الأرضين الخصبة إلى اًرضين مجدبة، نتيجة لهذه الهجرة، ولتراكم الأتربة في شبكات الري. ولكن هذا القرن لم يعدم مع ذلكُ حكاماً حاولوا جهد إمكانهم إصلاح الخطأ، وأناساً كان لهم حسّ وشعور بما وصلت إليه الحالة فنادوا بالإصلاح. ولكن صيحاتهم لم تكن ذات أثر خطير في قوم قلقين حائرين، وليس في أيديهم زمام أمورهم، وقد اعتراهم ذهول جعلهم لا يعرفون كيف يتصرفون. ثم إن الحمل كان ثقيلاً، والأخطاء كثيرة، والأمراض، عديدة لا يقومها طبيب واحد أو أطباء معدودون.

لقد عزم “كسرى” الأول “531-579م” المعروف ب “كسرى أنو شروان”، على إصلاح الحال في مملكته، فأمر بوضع دستور جديد للجباية يخفف عن كاهل الدافعين بعض الثقل، وأمر بإصلاح الأرض وتوزيعها على شعبه بالعدل وبالإنصاف بين الناس حتى عرف لذلك بالعادل، واستعان بمستشارين حكماء كانوا يعظونه ويرشدونه بطريقة الحكم والأمثال والعظات إلى كيفية سياسة الرعية وتدبر أمورها، كما ولى النواحي الروحية عنايته كذلك، فأعاد الزردشتية القديمة، وقاوم الحركة المزدكية التي قام بها “مزدك” في عهد والد “قباد الأول” “483 – 531م” “488 – 531م”، وهي حركة تدعو إلى الغاء الملكية، والى الإباحية، والى القضاء على امتيازات النبلاء ورجال الدين على ما تقوله الموارد التأريخية العربية المستندة إلى موارد “فهلوية” شجعها “قباذ” لما وجد فيها من مبادئ توافق سياسته الرامية إلى مقاومة تلك الطبقات المتنفذة التي عارضت في انتقال العرش إليه، والتي اجتمعت كلمتها برئاسة “موبذان موبذ” والعظماء على إنزاله من عرشه، لما بدا لهم من ازوراره عنهم، وانحرافه عن الزردشتية إلى تعاليم مزدك المناهضة للموابذة ولعظماء المملكة الذين كانوا يتمتعون في المملكة بنفوذ واسع حدّ من سلطان “شاهنشاه”.

ورسالة مزدك وتعاليمه، غامضة، لا نعلم من حقيقتها شيئاً، فقد أبيدت كتبهم وطمست معالم دينهم في.عهد “أنو شروان”، ولم يبق منها إلا هذه النتف المدوّنة في الكتب العربية عن موارد “فهلوية” دوّنت في أيام محفة المزدكية وبعدها. ويظهر من هذه النتف إنها حركة دينية اجتماعية سياسية تدعو إلى توزيع الثروات بين الناس بالتساوي. والى انتزاع الأموال والأرضين من الأغنياء لإعطائها للمقليّن، حىّ من كان عنده جملة نساء تؤخذ منه لتعطى لغيره من المحتاجين، فهي على هذا التعريف فكرة اشتراكية متطرفة عارضت النظم الاجتماعية القائمه، وهددت الدين القائم، وجرّأت العامة على تلك الطبقات، كان الملك في حاجة إليها للانتقام ممن عارضه فأيدها.

هذا وحيث أننا قد تعلمنا من التجارب التي تجري في الوقت الحاضر ومن دراستنا للموارد التأريخية القديمة، إن ما يكتب عن قوم غضب الحاكمون عليهم لا يمكن إن يكون مرآة صافية يعبر عن وجه أولئك القوم وعن ملامحهم الحقيقية، لذا فإننا لا نستطيع إن نقول ان ما وصل إلينا عن المزدكية بمثل رأيها وعقيدتها تمام التمثيل، إذ يجوز إن يكون منه ما هو مصنوع موضوع حمل عليهم، وان رواة الأخبار قد غرقوا منه، ودوّنوه على نحو ما وصل إلينا في كتبهم. لذلك يجب الانتباه على هذه الملاحظة.

وحمل عدل الملك الساساني وحلمه وتسامحه مع رعيته ومساعدته للخارجين على الكنيسة الرومية الرسمية “من الفلاسفة والمثقفين بالثقافة الإغريقية القديمة ممن كانوا هدفاً لهجمات الكنيسة الأرثودكسية في الانبراطورية البيزنطية” على الهجرة إلى المملكة الساسانية، طامعين في عدل الملك وحمايته، وفي بيأة تكون فيها الحربة الفكرية مكفولة مضمونة، لا ضغط فيها ولا إكراه. ولكنهم ما لبثوا إن وجدوا إن الزردشتية التي نصرها وأيدها “كسرى أنو شروان”، وهي ديانة المملكة غير ملائمة للفلسفة، وأنها ليست أرحب صدراً من “الأرثُودكسية”، وانهم لم يكونوا على صواب بمجيئهم إلى هذه الأرض، فرجوا من “ملك الملوك” الترفق بهم، بالسماح لهم بالعودة إلى بلادهم. فلما كانت الهدنة، طلب “كسرى” من قيصر في سنة 549م إباحة العودة إلى ديارهم والتلطف بهم والعفو عما بدر منهم من الذهاب إن مملكته.

وكان مما فعله “كسرى أنو شروان” أن هاجم الإمبراطورية البيزنطية وقيصرها في عهد “يوسطفيان” “يسطنيانوس” “جستنيان” “527 – 565م”، واشتبك معها في جملة حروب، ووسع حدوده في الشرق، وساعد الأحزاب المعارضة للروم، وأرسل حملة إلى اليمن بناء على طلب الأمراء المعارضين لحكم الحبشة عليها، ساعدتهم في وضع خطة لإزاحة الحبشة عنها. والحبش هم حلفاء البيزنطيين وإخوانهم في الدين وهم الذين حثوّا النجاشي على فتح اليمن بعد إن يئسوا من الاستيلاء عليها ومن الاستيلاء على الحجاز وبقية جزيرة العرب.

واتبع “كسرى الثاني” “595 – 628 م” المعروف ب “كسرى أبرويز”، وهو ابن “هرمز بن كسرى أنو شروان”، خطوات جدّه وأسلافه الملوك الماضين في الحرب مع البيزنطيين، فبلغ “خلقيدونية” ثلاث مرات، واستولى على بلاد الشام، ودخلت جيوشه القدس في سنة “614 م”. ثم استولى على مصر في سنة “619 م” ودَوّخ بفتوحاته الروم إلى أن عاجله ابنه بخلعه، فاستراح الروم منه، ثم لم يلبثوا أن استردوا من الفرس أكثر ما أخذوه منهم في تلك الحروب.

وقد اضعفت هذه الحروب المتوالية الحكومة الساسانية وآذت الشعوب التي خضعت لحكمها وأفقرتها، وأثرت على الأمن الداخلي وعلى الأوضاع الاقتصادية والعمرانية تأثراً كبيراً ولا سيما في البلاد التي صارت ساحة تعبئة وتلاحم جيوش، وهي بلاد العراق. ولم يعد الإنسان يأمن على حياته وعلى ماله، وصار سواد الناس وكأنهم أبقار واجبها إعطاء الحليب وأداء الأعمال الأخرى للحكام، والذبح للاستفادة من لحومها ومن جلودها وعظامها حينما تنتفي الحاجات الأخرى منها. وتأسد المرازبة وقادة الجيوش في الحكم، حتى صار الحكم حكم عواطف وأهواء ومصالح، و “الشاهنشاه” عاجز عن عمل كل شيء لأن “الشاهنشاهية”، لم تعد متقيدة بالوراثة القديمة وبالآداب السلطانية، بل صارت لمن يستعين بأصحاب العضلات وبمثيري الفتق والاضطرابات. أضف إلى ذلك أن من بيده مفتاح الدفاع عن الدولة، وهم الجنود، والضباط الصغار، شعروا أنهم يقاتلون لا في سبيل وطن ودين وعقبدة، بل يقاتلون لأنهم يساقون اذ القتال قسراً، وهم في حالة. سيئة ووراءهم عوائلهم لا تملك شيئاً، وقد جيء بهم إلى الجيش قسراً وعلى طريقة “السخيرة”. وهم يحاربون ولا سلاح لهم، لأن الحكومة لا تملك سلاحا، ولا نظام لهم، لأنهم لم يدربوا على القتال ولم يُعَلَّموا أصوله، أجسامهم تقاتل، وقلوبهم مشغولة في مصير أولادهم وزوجاتهم وبيوتهم، وهم المعيلون لهم، ليس لهم غيرهم من معين.

وحكومة هذا شأنها، لا يرممن لها أن تحافط على حدود طويلة مفتوحة سهلة تقيم عليها قبائل غارية، تترقب الفرص لتجد فرصة تهتبلها لتغير فيها على الحضر، فتنتزع منهم ما قد تقع أيديهم عليه من أي شيء. فصار الأعراب يغيرون على الحدود من كل مع مكان فيه نفوذ وجنود للساسانيين، ولاسيما بعد معركة “ذي قار” التي منحتهم قوة معنوية عالية، وعلمتهم مواطن الضعف عند الساسانيين. فما جاء الإسلام من جزيرة العرب صاروا عوناً له في تقويض تلك الدولة، ودالة ساعدته في تفهم مواطن الضعف فيها، ومنها نفذ الإسلام إلى ما وراء البحار، وقوض الحكومة الضخمة بسرعة عجيبة وبمحاربين لم يكونوا قد عرفوا من قبل أساليب القتال المنظم، ولا المعارك الضخمة التي صادفوها لأول مرة في حروبهم مع الساسانيين والبيزنطيين.

وقد طمعت القبائل في حكومة الحيرة أيضاً، هذه الحكومة التي ظهر عليها الوهن كذلك. فأخذت تغير عليها وتتعرض بحدودها، وتتحرش بقوافلها التي كان يرسلها ملوكها للاتجار في أسواق الحجاز واليمن. حتى صارت الطرق التي تسلكها خطرة غير آمنة، لا يتمكن رجالها من المرور بها بسلام. ولم يستطع الساسانيون من مساعدتها وحمايتها، لأن أوضاعهم الداخلية، كانت كما ذكرتُ على غير ما يرام. وهذا مما زاد في تصميم القبائل على مهاجمة ملوك الحيرة وحدود الفرس في آن واحد. ولعل هذه الغارات، كانت في جملة الأسباب التي حطمت “كسرى” على القضاء على النعمان وعابر إنهاء حكم “آل نصر”، إما بسبب ما رآه “كسرى” من عدم تمكن الملك “النعمان” من تأديب القبائل ومن ضبط الطرق والأمن، فارتأى استبداله بعربي أخر أو برجل قوي من قادة الجيوش الفرس، وإما لظنه أو لما وصل إلى علمه من خبر يفيد بأن النعمان قد أخذ يفاوض سادة القبائل الكبار لإرضائهم وضمهم إليه. وفي هذا العمل تهديد لمصالح الفرس ومحاولة للابتعاد عنهم. فأراد لذلك القضاء عليه وعلى الأسر الحاكمة، قبل أن يتمكن من الحصول على تأييد أولئك السادة الذين أدركوا نواحي الضعف في حكومة الساسانيين.

وهناك روايات يشتمّ منها أن “النعمان”، قال لسادات القبائل” “إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكتُ وعززتُ بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم… ليعلم أن العرب على غير ما ظن وحدث”. وروايات تفيد أن “كسرى” إنما قتل “النعمان”، لأنه وسائر أسرته سايروا سادات القبائل وتواطئوا معهم على الساسانيين. ولعل عجز ملوك الحيرة عن حماية قوافل الفرس الذاهبة إلى اليمن والآيبة منها، وعن حماية الطرق البرية المهمة التي توصل العراق باليمن، ثم عجز ملك الحيرة من منع الأعراب من الإغارة على حدود الساسانيين، ثم اضطرار الملك “النعمان” على الاتصال بسادات القبائل لترضيتهم ولضمهم إليه لتأييده ولتقوية ملكه الضعيف، الذي كان يهدده خصوم له. لعلّ هذه الأسباب وغْيرها، كانت في جملة العوامل التي حملت “كسرى” على القضاء على “النعمان” وعلى استبدال الأسرة الحاكمة بأسرة أخرى، أو تسليم أمور الحيرة نهائياً إلى قائد فارسي، يحكمها حكماً عسكرياً.

وقد نصب الفرسُ حاكماً منهم على الحيرة، لكنه لم يتمكن من سد أبواب الحدود الطويلة وغلقها، وجمع الأعراب من دخولها. لقد اجتازوها ثم جاوزوها إلى مسافات بعيدة في الإسلام، أوصلت العرب إلى الصين والهند وتركستان الصينية. ذلك لأن الفرس كانوا منهوكي القوى في الداخل وفي الخارج، وقد أتعبتهم الأوجاع، بينما جاء العرب بإيمان برسالة، وبعزم وتصميم، وباعتماد على النفس، من أن النصر سيكون لهم حتماً. لقد بدأ هذا العزم قبل “ذي قار”، ثم تجسم في “ذي قار”، فكان نصر العركة في هذا الموضع، ناقوس النصر، و “الهرمون” الذي بعث الحيوية في جسم القبائل، فجعلها تشعر أن في استطاعتها أن تفعل شيئاً، لو وحدت نفسها، وعملت عملاّ إيجابياً منتظماً، بعد دراسة وتفكير، وباعدت نفسها عن الهياج والحماس والكلام الكثير، الذي يذهب بعد تكلمه مع الهواء.

ولم تكن مشكلات الروم أقل خطورة أو عدداً من مشكلات الساسانيين. لقد تمكنت النصرانية، بعد عنت واضطهاد ومقاومة، أن تكون ديانة رسمية للحكومة والشعب. وكان المأمول أن تتوحد بذلك صفوف الأمة، غير أن التصدع الذي أصاب هذه الديانة لم يحقق لهما ذلك الأول، فتدخلت المذهبية في السياسة، في المذهبيّات. وتولدت من هذا التدخل مقاومة رسمية من الحكومة للمذاهب المعارضة، واضطهاد لكل من يعارض مذهب القيصر. وظفرت كنيسة شرقية وكنيسة غربية، وتجزأ النصارى الشرقيون إلى شيع وفرقُ عدّ بعضها خارجاً على تعاليم الحق والأيمان، هي في نظر “الأرثودكسية” مذاهب الحادية باطلة، فعوملت كما عاملت وثنيةُ روما النصرانية حين ظهورها، فحوربت بغير هوادة واضطر الكثير من المخالفين إلى التكتم أو الهرب إلى مواضع ليس للبيزنطيين عليها سلطان.

والحروب المتوالية التي شنها الفرس على البيزنطيين، والبيزنطيون على الفرس، وانقسام الإنبراطورية إلى حكومتين: حكومة روما وحكومة القسطنطينية، ثم مهاجمة الملوك والأقوام الساكنة في أوربة لهاتين الحكومتين من الشمال والغرب، كل هذه انتجت مشكلات خطيرة للعالم الغربي عامة وللروم خاصة. وقد كان إزعاج الروم وقلاقهم، مما يفيد بالطبع منافسيهم الفرس ويسرهم، فكانوا يشجعون الثائرين ويتحالفون معهم لأن في ذلك قوة لهم، كما كان الروم أنفسهم يشجعون الأحزاب المعارضة للفرس ويحرضونها على الثورة على الساسانيين والتمرد عليهم، وعلى مهاجمة حدودهم نكاية بأعدائهم وللانتقام منهم حتى صارت الحروب بين الانبراطوريتين تقليداً موروثاً، لا يتركها أحد الطرفين إلا اضطراراً، ولا تعقد هدنة بينهما الا بدفع جزية تكون مقبولة لدى الطرف الغالب تغنيه عن المكاسب التي يتأملها من وراء الحرب. يدفعها المغلوب صاغراً بسبب الأحوال الحرجة التي هو فيها، آملاً تحسن الموقف للانتقام من الخم. فتأريخ الساسانيين والروم، هو تأريخ هدن وحروب عادت إلى بلاد الطرفين بأفدح الأضرار. وما الذي يكسبه الإنسان من الحروب غير الضرر والدمار ? %)165(

لقد وجد “كسرى أنو شروان” “531ه- 579م” في انشغال “يوسطنيان” “جستنيان” “Justinian” “527 – 565م” بالحروب في الجبهات الغربية فرصة مواتية للتوسع في المناطق الشرقية من الإنبراطورية البيزنطية، فتحلل من “الهدنة الأبدية” التي كانت قد عقدت بين الفرس والروم، وهاجم الإنبراطورية منتحلاّ أعذاراً واهيةً، واشترك في قتال دمويّ مرّ بجيوش الروم. ولم يفلح مجيء القائد “بليزاريوس” “Belisarius” من الجبهات الإيطالية لإيقاف تقدم الفرس، فسقطت مدن الشام وبلغت جيوش الفرس سواحل البحر المتوسط، وبعد مفاوضات ومساومات طويلة تمكن الروم من شراء هدنة من الفرس أمدما خمس سنوات بشروط صعبة عسيرة، وبدفع أموال كثيرة. ثمُ مددت هذه الهدنة على أثر مفاوضات شاقة مع الفرس خمسين عاماً حيث عقد الصلح في سنة “561” أو “562م”. تعهد الروم لكسرى بدفع إتاوة سنوية عالية، وتعهد الفرس في مقابل ذلك بعدم اضطهاد للنصارى، وبالسماح للروم في الإتجار في مملكتهم على شرط معاملة الروم لرعايا الفرس المعاملة التي يتلقاها تجار الروم في أرض الساسانيين.

و “يوسطنيان” معاصر “كسرى أنوشروان” شخصية فذة مثل شخصية معاصره، ذو آراء في السياسة وفي الملك، من رأيه إن الملك يجب إن يكون دليلا وقدوة ونبراساً للناس، وانه لا يكون عظيماً شهيراً لحروبه ولكثرة ما يمكله من سلاح وجند، إنما يكون عظيماً بقوته وبقدرته وبالقوانين التي يسنها لشعبه للسير عليها، تنظيماً للحياة. فالملك في نظره قائد في الحروب ومرشد في السلم، حامٍ للقوانين، منتصر على أعدائه. وكان من رأيه إن الله قد جعل الأباطرة ولاته على الأرض، وأدلة للناس، قوامين على الشريعة. ولذلك فإن من واجب كل انبراطور إن يقوم بأداء ما فرضه الله عليه بسنّ القوانين وتشريع الشرائع، ليسير الناس عليها. ولما كانت القوانين التي سارت عليها الانبراطورية الرومانية كثيرة جداً، حتى صعب جمعها وحفظها، تطرق إليها الخلل، وتناقضت الإحكام. لذلك رأى إن من واجبه جمعها وتنسيقها وتهذيبها وإصدارها في هيأة دستور الانبراطوري يسير عليه قضاة الانبراطورية في تنفيذ الإحكام بين الناس، وعهد بهذا العمل الشاق إلى “تريبونيان” “Tribonian” من المشرعين المعروفين في أيامه. فجمع هذا المشرع البارع القوانين في مدوّنات، ورتبها في كتب وأبواب، وكان بتدوينه هذا بعض القوانين البيزنطية والرومانية من الضياع، وأورث المشرعين ذخيرة ثمينة من ذخائر البشرية في التشريع.

ويعد هذا العمل مم الأعمال العظيمة في تاريخ التشريع، ولم يكن “يوسطغيان” أول من فكر في جميع القوانين السابقة في مدوّنة، ولكنه كان أول من أقدم على تنسيقها وجمع ما تشتت منها وتيسيرها للمشرعين، وقد وحد بذلك قوانين الانبراطورية. فَعُدَّ صنيعه هذا إصلاحاً كبيراً يدل على شعور الملك وتقديره للعدالة في مملكته. وقد أدخل معاصره “كسرى أنو شروان” إصلاحات على قوانين الجباية، فعد القرن السادس من القرون المهمة في تأريخ التشريع. ولكن الذي يؤسفنا إننا لا نملك موارد تفصل إصلاحات “كسرى” وهل هي نتيجة شعور بضرورة ملحة وحاجة، أو هي صدى للعسل الذي قام به “يوسطنيان”، ثم أي مدى بلغته تلك الإصلاحات? وفكرة إخضاع الانبراطورية لقانون واحد نابعة من أصل عام كان يدين به “يوسطنيان”، يتلخص في دولة واحدة وقانون واحد وكنيسة واحدة. كان يوسطنيان يرى إن الدولة المنظمة هي الدولة التي يخضع فيها كل أحد لأوامر القيصر، وان الكنيسة إنما هي سلاح ماض يعين الحكومة في تحقيق أهدافها، لذلك سعى لجعلها تحت نفوذ الحكومة وفي خدمة أغراضها، فتقرب إلى رجال الدين، وساعد على إنشاء كنائس جديدة، واستدعى إلى عاصمته رؤساء الكنيسة “المنوفيزيتية” “”Monophysites” القائلين بالطبيعة الواحدة واليعاقبة وأتباع “آريوس” “Ariaus” وغيرهم من المعارضين لمباحثتهم ولعقد مناظرات بينهم وبين الكنيسة الرسمية للتقريب فيما بينهم وإيجاد نوع من الاتفاق يخدم أهداف الملك المذكور. ولكن هذه المحاولة لم تنجح، ومحاولات التوفيق لم تثمر، ولتحقيق نظريته في الكنيسة الواحدة اضطهد أصحاب المذاهب المعارضة وكذلك اليهود.

وزادت نظريته المذكورة في الدولة وفي الكنية في حدة المشكلات التي ورثها من أسلافه وجاءت بنتائج معاكسة لما كان يريد منها. فمحاولة تقربه من “البابا” وتأًييده له، اصطدمت بفكرة كانت مسيطرة عليه، هي إن علمه باللاهوت لا يقل عن علم رجال الدين به، وان من حقه التدخل في أمور الكنائس وفي تسيير المجامع الكنيسية، لتوحيد الكنائس وإعادتها إلى أصلها، فأزعج بذلك “البابا”، وصار من أضداده، وأزعج أصدقاءه ومعارضتوه من رجال المذاهب الأخرى، لأنه خالفهم، وجاء بتفسرات لم ترضي أي مذهب منها. واضطر أخيراً على الخضوع لعقيدته المهيمنة على عقله، وهي إن ما يراه في الدين، هو الصحيح، وهو الحل الوسط للنزاع الكنسي، وهو الأصلح للدولة. فخلق. معارضين له. وأغلق “جامعة أثينا” ومدارس البحث، واصدر أمراً بمنع الوثنين و. كل من ليس نصرانياً من الاشتغال في الدولة. وهكذا ولدت نظريته في “أنا الدولة” مشكلات خطيرة لدولته ولدولة من جاء بعده من قياصرة.

وكانت لدى الروم مثل هذه المشكلة التي كانت عند الفرس: مشكلة تهرب كبار الملاكين والمتنفذين من دفع الضرائب، وزيادة نفوذهم وسلطانهم في الدولة. فعزم “يوسطنيان” على الحد من سلطانهم، والتشديد في استيفاء الضرائب لمعالجة الوضع الحربي الناتج من قلة المال اللازم للإنفاق على جيش كبير، مما اضطر الحكومة إلى تقليص عدد الجنود. فأصدر أوامر عديدة بالتشديد في جمع الضرائب، وبإجراء الإصلاحات في الإدارة، غير إن إصلاحاته هذه لم تنفذ، إذ. لم يكن في مقدور الحكومة تنفيذها لعدم وجود قوة لديها تمكنها من “لحدّ من نفوذ المتنفذين ورجال أكفاء أقوياء يقومون بالتنفيذ.

واهتم “يوسطنيان” بأمر التجارة. والتجارة مورد رزق للدولة كبير، ولاسيما مع الأقطار الشرقية، فقد كانت بضائعها مرغوباً فيها في أوربة ومطلوبة، تجني الحكومة منها أرباحاً كثيرة، وفي مطلع قائمة هذه البضائع النفيسة الأموال التي ترد إلى الانبراطورية من الصين والهند، فقد كانت تلافي إقبالاً كبيراً من أثرياء الانبراطورية ومن أثرياء انبراطورية روما الغربية وبقية أنحاء أوربة.

وأثمن بضاعة في قائمة البضائع الواردة من الصين مادة الحرير، ولثمن الحرير الباهض حرص الصينيون على ألا يسمحوا لأي غريب كان إن ينقل معه البيض أو الديدان التي تتولد منه إلى الخارج، خشية المزاحمة والمنافسة التي تلحق بهم أفدح الأضرار. وتلي هذه المادة البضائع النفيسة الأخرى مثل العطور والقطن الوارد من الهند والتوابل وأمثالها من الموات التي كان يعجب بها أصحاب الذوق في ذلك الزمن. كل هذه يشتريها تجار الروم، وبعد إن تأخذ الدولة البيزنطية الضرائب المفروضة، تسمح للتجار بالتصرف فيها وبيعها على بقبة الأوربيين.

وأسعار هذه المواد عالية باهظة إلى درجة كبيرة صارت مشكلة من مشكلات الدولة البيزنطية، ولهذا كانت تتصل دوماً بالانبراطورية الساسانية لمحاولة الاتفاق على تحديد الأسعار، وتعيين مقدار الضرائب، وذلك بسبب ورود أكرها من هذه الانبراطورية، إذْ كان التجار يأتون بالأموال من أسواق الصين تنقلها القوافل التي تجتاز أرض الدولة الساسانية لتسلمها إلى حدود الانبراطورية البيزنطية، ومنها إلى العاصمة لتوزع في الأسواق الأوربية.

هذا طريق. وهناك طريق آخر هو طريق البحر. يحمل تجار الصين أموالهم على سفن توصلها إلى جزيرة “تبروبانة” “Taprobane” وهي جزيرة “سيلان” ثم تفرغ هناك، فتُحمل في سفن تنقلها إلى خليج البصرة، ثم تحمل في سفن أخرى تمخر في دجلة والفرات إلى حدود الروم.

ولما كانت علافات الروم بالساسانيين غير مستقرة، والحرب بين الانبراطوريتين متوالية صارت هذه التجارة معرضة للتوقف والإنقطاع طوال أيام الحروب، وهي كثيرة، فترتفع أسعارها هناك، كما إن الساسانيين كانوا يزيدون في أسعار البيع وفي ضربية المرور، فتزيد هذه في سعر التكليف، ولهذا فكر “يوسطنيان” في التحرر من تحكم الساسانيين في مورد مهم من موارد رزقهم، وذلك باستيراد بضائع عن طريق البحر الأحمر، وهو بعيد عن رقابة الساسانيين.

والخطة التي اختطها “يوسظيان” لتحرير التجارة البيزنطية من سيطرة الساسانينن عليها، هي الاتصال بالأسواق البيزنطية المصدرة، ونقل المشتريات إلى الانبراطورية بالبحر الأحمر الذي كان يسيطر الروم على أعاليه. لقد كان ميناء “أيلة” في أيدي البيزنطيين، وكان هذا الميناء موضعاً لتفريغ السفن الموسقة بالبضائع المرسلة من الهند إلى فلسطين وبلاد الشام، كما كان ميناء “القلزم” “Clysma” في أيديهم كذلك، تقصده السفن التي تريد إرسال حمولتها إلى موانئ البحر المتوسط. أما جزيرة “أيوتابة” “Iotabe” وهي جزيرة “تاران” “تيران”، فقد كانت مركزاً مهماً لجباية الضرائب من السفن القادمة من الهند، وكانت في أيدي بعض سادات القبائل، فأمر “يوسطنيان” بإقامة موظفي الجباية البيزنطيين بها، ليقوموا بالجباية. وأما ما بعد هذه المنطقة حتى مضيق المندب والمحيط الهندي فلم يكن للبيزنطيين عليه نفوذ.

ولتحقيق هذه الخطة، كان عليه وجوب السيطرة على البحر الأحمر والدخول منه إلى المحيط الهندي، للوصول إلى الهند وجزيرة “سيلان”. ولا يمكن تحقيق هذه الخطة إلا بعملين: عمل عسكري يعتمد على القوة، وعمل سياسي يعتمد على التقرب إلى الحبشة الذين كانوا قد استولوا على اليمن، فصار مدخل البحر الأحمر “مضيق باب المندب” بذلك في أيديهم. ثم بالتودد إلى سادات القبائل العربية النازلة في العربية وفي بادية الشام، لضمهم إلى صفوف البيزنطيين، ولتحريضهم على الفرس، وبذلك يلحق البيزنطيون ضررا بالغاً بالفرس ويكون في استطاعتهم نقل التجارة نحو الغرب عن جزيرة العرب والبحر الأحمر إلى أسواقهم بكل حرية وأمان.

أما العمل العسكري، فلم في وسع البيزنطيين القيام به في ذلك الوقت، لعدم وجود قوات برية كبيرة كافية. لتتمكن من اجتياز العربية الغربية للوصول إلى اليمن، حيث الحبش هناك، أخوان البيزنطيين في الدين. وقد علموا من التجارب السابقة، أن الجوع والعطش يفتكان بالجيش فتكاً، وان القبائل لا يمكن الاطمئنان إليها والوثوق بها أبداً، لذلك تركوا هذا المشروع. فلم يبق أمامهم غير تنفيذه من ناحية البحر، وقد وجدوا إن هذا التنفيذ غير ممكن أيضاً، لأن أسطولهم في البحر الأحمر لم يكن قوياً، ولم يكن في استطاعته السيطرة عليه سيطرة تامة. فتركوه، ولو إلى حين، مفضّلين عليه العمل السياسي.

أما العمل السياسي، فقد تم بالاتصال بالحبش، وقد كان ملكهم على النصرانية، لذلك كان من الممكن جلبه إلى البيزنطيين بالتودد إليه باسم الاخوّة في الدين. كما تم بالتقرب إلى سادات القبائل المتنصرين، والتودد إليهم باسم الدين أيضاً. وتم بإرسال المبشرين إلى جزيرة العرب، وبتشجيعهم على المعيشة بين الأعراب وفي البوادي لتنصير،سادات القبائل، وللتأثير عليهم بذلك. وبإقامة الكنائس وإرسال المال وعمال البناء لبنائها بأسلوب يؤثر في عقول الوثنيين، فيجعلها تميل إلى النصرانية، ولتكون هذه المعابد معاهد تثقيف تثقف بالثقافة البيزنطية كما تفعل الدول الكبرى في هذه الأيام.

وأرسل “يوسطنيان”-كما سبق إن بينا ذلك-رسولاً عنه يدعي “يوليانوس” “جوليانس” “Julianus” إلى النجاشي والى “السميفع أشوع” “Esimphanus” حاكم اليمن في ذلك العهد، ليتودد اليهما، وليطلب منهما باسم “العقيدة المشتركة” التي تجمعهم إن يكوّنا مع الروم جبهة واحدة في محاربة الساسانيين، وان يقوما مع من ينضم إليهم من قبائل العرب بمهاجمتهم، وحمل السفير إلى “السميفع أشوع” رجاء آخر، هو موافقته على تعيين رئيس عربي اسمه “Kaisos” أي “قيس” عاملاً “فيلارخ” “Phylarch” على قبيلة عربية تدعى “معديني” “Maddeni”، أي قبيلة “معد”، ليشترك معه ومع عدد كبير من أفراد هذه القبيلة بمهاجمة الساسانيين، وقد رجع السفر فرحاً مستبشراً بنجاح مهمته، معتمداً على الوعود التي أخذها من العاهلين. غير أنهما لم يفعلا شيئاً، ولم ينفذا شيئاً ما مما تعهدا به للسفير، فلم يغزوا للفرس، ولم يعين “للسميفع فوع” “قيساً” “فيلارخاً” عاملا على قبيلة معدّ.

وورد أيضاً إن القيصر جدّد في أيام “ابراموس” “Abramos” الذي نصب نفسه في مكان “Esimiphaeus”، طلبه ورجائه في محاربة الفرس، فوافق على ذلك وأغار عليهم، غير انه تراجع بسرعة.

ويظهر إن اتصال البيزنطيين ب “ابراموس” “Abramos” كان بعد القضاء على “السميفع أشوع” الذي لم يتمكن من مهاجمة الفرس إذْ كان من الصعب عليه اجتياز أرض واسعة بعيدة وطرق بعيدة تمرّ بصحارى وقفار لمحاربة أناس أقدر من رجاله على القتال. فلما تمكن “ابراموس” من التحكم في شؤون اليمن ومن تنصيب نفسه حاكماً عاماً على اليمن وصارت الأمور بيديه تماماً، فكر البيزنطيون في الاستفادة منه بتحريضه على الساسانيين، وذلك باسم الأخوة في الدين.

وقد تحرش “ابراموس” بالفرس، غير انه لم يستمر في تحرشه بهم. فما لبث إن كف قواته عنهم. ولم يذكر المؤرخ “بروكوبيوس” كيف هاجم “ابراموز” الساسانيين، ومن أين هاجمهم ومتى هاجمهم. لذلك أبقانا في جهل بأخبار هذا الهجوم.

و “ابراموس” هو “أبرهة” الذي تحدثت عنه في أثناء كلامي عن اليمن. أما ما أشار إليه “بروكوبيوس” من تحرشه بالفرس ومن تركه لهم بعد قليل، فقد قصد به حملته على “مكة” على الغالب، وهي حملة قصد بها “أبرهة” على ما يظهر الاتصال بالبيزنطيين عن طريق البر، وإخضاع العربية الغربية بذلك على حكمه وهو من المؤيدين البيزنطيين. وبذلك تؤمن حرية الملاحة في البحر الأحمر ة ويكون في إمكان السفن البيزنطية السير به بكل حرية. ولعله كان يقصد بعد ذلك مهاجمة الفرس من البادية بتحريض القبائل المعادية للساسانيين عليهم، وبتأليف حلف من قبائل يؤثر عليها فيهاجم بها الفرس.

اما “Kaisos” “Caisus”، فكان كما وصفه المؤرخ “بروكربيوس” شجاعاً ذا شخصية قوية مؤثرة حازماً من أسرة سادت قبيلة “معدِّ”. وقتل أحد ذوي قرابة “للسميفع أشوع” “Esimaphaios” “Esimiphaeus”، فتعادى بذلك معه، حتى اضطر إلى ترك دياره والهرب إلى مناطق صحراوية نائية. فأراد القيصر الشفاعة له لدى “Esimaphaios”، والرجاء منه الموافقة على أقامته رئيساً “Phyarch” على قبيلته قبيلة معدّ.

ولا يعقل بالطبع توسط القيصر في هذا الموضوع، لو لم يكن الرجل من أسرة مهمة عريقة، لها عند قومها مكانة ومنزلة، وعند القيصر أهمية وحظوة. ولشخصيته ومكانة أسرته أرسل رسوله إلى حاكم اليمن لإقناعه بالموافقة على أقامته رئيساً على قومه. وبهذا يكسب القيصر رئيساً قوياً وحليفاً شجاعاً يفيده في خططه السياسية الرامية إلى بسط نفوذ الروم على العرب، ومكافحة الساسانيين.

ونحن لا نعرف ن أمر “قيس” هذا في روايات الأخباريين شيئاً غير أن هناك رواية لابن إسحاق جاء فيها أن أبرهة عين محمد بن خزاعى عاملا له على مضر، وأن “قيساً” كان يرافق أخاه محمداً حين كان في أرض كنانة. فلما قتل “محمد”، فَرّا إلى “ابرهة”. وقد ورد نسب “محمد” على هذه الصورة: “محمد بن خزاعي بن علقمة بن محارب بن مرّة بن هلال بن فالح ابن ذكوان السلمي” في بعض الروايات، وذكر أنه كان في جيش أبرهة مع الفيل.

فهل قيس هذا هو قيس الذي ذكره “بروكوبيوس” ?. اتصل مع أخيه محمد بأبرهة، وصار من المقربين لديه? أو هو رجل آخر لا علاقة له ب “قيس” الذي يذكره “ابن إسحاق”? وقد زار والد “نونوسوس” “Nonnosos” “قيساً” هذا مرتين، وذلك قبل سنة “535م” وزاره “نونوسوس” نفسه في إثناء حكمه. وأرسل “قيس” ابنه “معاوية” إلى “يوسطنيان”، ثم أعلم أخاه ثم ابنه الأمارة. وعينه القيصر عاملاً “Phylarch” على فلسطين.

وكانت للقيصر “يوسطنيان” صداقة مع رئيس آخر اسمه “أبو كرب” “Abochorabus”، يقع ملكه في أعالي الحجاز وفي المناطق الجنوبية من فلسطين. عرف هذا الرئيس بالحزم والعزم فخافه الأعداء، واحترمه الأتباع، واتسع لذلك ملكه، وتوسع سلطانه حتى شمل مناطق واسعة، ودخلت في تبعيته قبائل عديدة أخرى على القانون الطبيعي في البادية الذي يحتم دخول القبائل طوعاً وكرهاً في تبعية الرئيس القوي.

أراد هذا الرئيس أن يتقرب إلى القيصر، وأن يبالغ في تقربه إليه وفي إكرامه له، فنزل له عن أرض ذات تخيل كثيرة، عرفت عند الروم ب “فوينيكون” “Phoinikon” “واحة النخيل”، أو “غاية النخيل”. وهي أرض بعيدة. لاتبلَغ الا بعد مسيرة عشرة أيام في أرض قفرة. فقبل القيصر هذه الهدية الرمزية، اذ كان يعلم، كما يقول المؤرخ “بروكوبيوس” عدم فائدتها له، وأضافها إلى أملاكه، وعن هذا “الشيخ” عاملاً “فيلارخا” على عرب فلسطين.

وقد قام ملك هذا الرئيس على ملك رئيس آخر كانت له صلات حسنة بالروم كذلك، هو “امرؤ القيس” “Amorkesos” وكان “Amorkesos” في الأصل من عرب المناطق الخاضعة للفرس، ثم هجر دياره لسبب لا نعرفه إلى الأرضين الخاضعة لنفوذ الرومان، وأخذ يغزو الأعراب، حتى هابته القوافل، فتوسع نفوذه، وامتد إلى العربية الصخرية، واستولى على. جزيرة “تاران” “Iotaba” وترك رجاله فيها يجبون له الجباية من السفن القادمة من الهند، حتى حصل على ثروة كبيرة، وعزم في سنة “473 م” على إرسال الأسقف “بطرس” أسقف الأعراب التابعين له إلى القسطنطينية، ليتصل بالقيصر، وليتوسط لديه هناك أن يوافق على تعيينه عاملاً “Phylarch” على الأعراب المقيمين في العربية الحجرية %)175( ابن المنذر، حليف الفرس. بمعنى أنه تعرض لجماعة كانت في جانب الساسانين. فهل الغزاة التي أشار إليها المؤرخ “بروكوبيوس” هي هذه الغزاة? و “Maddenoi” هي قبيلة “معداية” “Ma’addaye” التي ذكرها “يوحنا الأفسوسي” “John of Ephesus” مع “طياية” “طيايا”” “طيايه” “Tayaye” “Taiyaya” في كتابه الشي وجهه إلى أسقف “بيت أرشام” “Beth Aresham”، ويظهر من هذا الكتاب أنها كانت مقيمة في فلسطين.

وقد تحدثتُ سابقاً عن ورود اسم قبيلة “سدّ” في نص النمارة الذي يرجع عهده إلى سنة “328 م” حيث ورد أن “امرئ القيس بن عمرو” ملك العرب ملك على “معدّ” وعلى قبائل أخرى ذكرها النصى، منها أسد ونزار ومذحج. ويربط الأخباريون في العادة بين ملوك الحيرة وقبيلة معدّ، وظالما ذكروا إن ملوك الحيرة غزوا معدّ، مما يدل على وجود صلة تأريخية متينة بين الحيرة وهذه القبيلة المتبدية التي كانت تمعن في سكنها مع البادية.

ويظهر من روايات أهل الأخبار أنه قد كان للتبابعة شأن في تنصيب سادات على معدّ. فهي تذكر انهم هم الذين كانوا يعينون أولئك السادهّ، فينصبونهم “ملوكاً” على معدّ. وذلك بسبب تنازع سادات معد فيما بينهم وتحاسدهم وعدم تسليم بعضهم لبعض بالزعامة. ولهذا كانوا يلجأوون إلى التبابعة لتنصيب “ملوك” عليهم. يضاف إلى ذلك أن معدّ اً كانت قبائل متبدية: منتشرة في ارضين واسعة تتصل باليمن، وقد. كان أهل اليمن المتحضرون أرقى منهم، وجيوشهم أقوى وأنظم نسبياً من محاربي معدّ ومقاتليهم الذين كانوا يقاتلون قتال بدو، لا يعرفون تنظيماً ولا تشكيلاً ولا توزيعاً للعمل. وكل ما عندهم هو كرٌَّ وفرٌّ، إذا وجدوا خصمهم أشطر منهم وأقدر على القتال هربوا منه.

وقد منيت الانبراطورية البيزنطية بانتكاسات عديدة بعد وفاة “يوسطنبان”، فاشتدّ الاضطهاد للمذاهب المخالفة للمذهب الارثودكسي، وعادت الفوضى إلى الحكومة بعد أن سعى القيصر الراحل في القضاء عليها، وتجددت الحروب بين البيزنطيين والساسانيين، وعاد الناس يقاسون الشدائد بعد فترة من الراحة لم تدم طويلا. وبعد حروب ممتتالية دخل الساسانيون بلاد الشام. وفي سنة “614 م”، احتل اتباع ديانة زرادشت عاصمة النصرانية القدس، فأصيبت المدينة بخسائر كبيرة في أبنيتها التأريخية وفي ثروتها الفينة التي لا تقدر بثمن. ثم أصيبت. الانبراطورية بنكبة عظيمة جداً هي استيلاء الفرس على مصر، وبلوغ جيوش الساسانيين في هذه الأثناء للساحل المقابل للقسطنطينية عاصمة الانبراطورية.

لقد وقعت هذه الأحداث ونزلت هذه الهزائم بالروم في وقت كان أمر الله قد نزل فيه على الرسول بلزوم إبلاغ رسالته للناس. والرسول إذ ذاك بمكة، يدعو أهلها إلى دين الله. فلما جاء الخبر بظهور فارس على الروم، فرح المشركون، وكانوا يحبون إن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان. وكان المسلمون محبون إن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. قلقي المشركون أصحاب النبي، فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن اميون. وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وأنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله” )الم غُلبت الروم. في أدنى الأرض، وهم من بعد غَلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله؛ ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم(. وفرح المسلمون بنزول هذه الآيات المقوية للعزيمة وأيقنوا إن النصر لا بد آت، وانهم سينتصرون على أهل مكة أيضاً ويغلبونهم بأذن الله. وخرج أبو بكرً إلى الكفّار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا. فلا تفرحوا ولا يقرّنّ الله أعيكنم، فوالله ليَظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا، صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبيّ بن خلف. فقال: كذبت يا أبا فضل. فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: أنت أكذب يا عدوّ الله. فقال أناحبك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت إلى ثلاث سنين. ثم جاء أبو بكر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: ما هكذا ذكرت إنما البِضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايد.ه في الخطر ومادَّه في الأجل. فخرج أبو بكر فلقي أبياً، فقال: لعلك ندمت? فقال لا. نقال: أزايدك في الخطر وأمادك الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين. قال قد فعلت”.

لقد وقعت هذه الهزائم الحربية الكبيرة في عهد القيصر “هرقل” “Heraclius” “610-641 م”. ففي عهده، اقتطعت بلاد الشام ومصر من جسم الانبراطورية، وهي أعضاء رئيسية في ذلك الجسم. غير إن طالع هذا القيصر لم يلبث إن تحسن بعد سنين من النحسى، فاستعاد تلك الأملاك في المعارك التي نشبت بين سنة 622 وسنة 628 م. في هذه الفترة نال هرقل أعظم نصر له في ثلاث معارك كبيرة. ولكن نصره الأكبر جاءه يوم قتل “كسرى أبرويز” صاحب هذه الفتوحات بيد ابنه “شيرويه”، فورد طائر السعد على القيصر بهذا الخبر المفرح، ثم تحققت البشرى بالصلح الذي عقد بين القيصر وبين “شيرويه”. وفيه نزل الفرس عن كل ما غنموه، ورضوا بالرجوع إلى حدودهم القديمة قبل الفتح. فعادت الشام وفلسطين ومصر إلى، البيزنطيين، وأعيد الصليب المقدس إلى موضعه في القدس في موكب حافل عظيم.

وسُر المسلمون وهم بالمدينة بانتصار الروم على الفرس، وزاد أملهم في قرب مجيء اليوم الذي ينتصر فيه المسلمون على المشركين، وقويت عزيمتهم في التغلب على قريش. “وأسلم عند ذاك ناس كثير”. وتضعضت معنويات قريش، وغلب “أبو بكر” أبيّاً” على الرهان، وكسبه، أخذه من ورئته، لأنه كان قد توفي من جرح أصيب به، فلم يدرك زمن طرد من تعصب له من بلاد. الشام وخسارته الإبل التي تراهن عليها.

وشاء ربك ألا يكون النصر في هذه المرة لا للروم ولا للفرس، بل للمسلمين. وشاء ألا يبقى الروم في بلاد الشام إلا قليلاً، إلا سين، إذْ تهاوت مدن بلاد الشام ثم مصر فشمال إفريقية، الواحدة بعد الأخرى، في أيدي أناس لم يخطر ببال الروم أبداً انهم سيكونون شيئاً ذا خطر في هذا العالم، أعني بهم أبناء مكة ويثرب ومن تبعهم من، أهل جزيرة العرب. تهاوت بسرعّة عجيبة لا تكاد تصدق، وبطريقة تشبه المعجزات. وقد بدأ هذا الانهيار بكتاب يذكر أهل السَير والأخبار إن الرسول أرسله إلى “هرقل عظيم الروم”، يدعوه فيه إلى الإسلام، فإن أبى وبقي على دينه فعليه تبعته، فلما لم يسلم، جاءه الإنذار، قوات صغيرة لا تكاد تكون شيئاً بالنسبة إلى جيوش الروم الضخمة، أخذت تُمَهد الطريق لنشر الأيمان في بلاد رفض حكامها الدخول فيه. طهرت الأرض الموصلة إلى الحدود من المخالفين، ثم أخذت تتحرش ببلاد الشام، ولم يأخذ الروم ذلك التحرش مأخذاً جدّياً، اذ تصوّروه غزواً من غزو العرب المألوف يمكن القضاء عليه بتحريك عرب بلاد الشام من الغساسنة ومن لّفّ لفهم عليهم، أو بإرشاء رؤسائهم بالهدايا والمال وتنصبهم ملوكاً على عرب بلاد الشام في موضع الغساسنة كما كانوا يفعلون مع القبائل القوية الكبيرة التي كانت تتحرش بالحدود، وينتهي بذلك الغزو وتصفو الأمور.

ولم يعلم البيزنطيون أن المسلمين يختلفون عن الجاهليين، يختلفون عنهم في أن لهم عقيدة ورسالة، وأن من يسقط منهم يسقط شهيداً في سبيل إعلاء كلمة ربّه، وله الجنة، وأن من يعيش منهم وينجو فلن يركن إلى الدعة والحياة الهادئة والرجوع إلى البادية بل لا بد له من أحد أمرين: إما نصر حاسم، وإما موت شريف في سبيل الله ورسوله. وبقوا في جهلهم هذا إلى أن نبهتهم الضربات العنيفة التي وقعت بينهم وبين العرب في “أجنادين” “Gabatha” وفي “اليرموك” “Hieromax” بان المعارك التي وقعت ليست غزواً من الغزو المألوف، بل خطة مهيأة لطرد الروم الذين لا يؤمنون برسالة الرسول من كل بلاد الشام وما ورائها من أرضين، وعندئذ جمعوا جموعهم، وألفوا قلوب “العرب المستعربة، أي العرب النصارى القاطنين في بلاد الشام، بالمال وباسم الدين، وجعلوهم معهم وتحت قيادتهم في جيوشهم الضخمة لمقابلة المسلمين الذين لم يعرفوا الحروب الكبيرة، ذات المعدد الضخم من المحاربين، والأسلحة المتنوعة الحديثة، بالنسبة إلى أسلحتهم المكوّنة من سيوف وسهام ورماح وحجارة وخناجر. وهنا وقعت غلطة فنية حربية أخرى من الروم، اذ قابلوا المسلمين بجيوش ضخمه، يسيرها قوّاد كبار تعودوا الحرب بأساليبها النظامية وبالطرق المدرسية الموروثة عن الرومان،وتزوّدوا بالخبرة الفنية العالية التي كسبوها من حروبهم مع الفرس ومع الأوربيين، فظنوا إن الحرب مع المسلمين شيئاً بسيطاً، بل ابسط من البسيط، حتى أن كبار القادة وجدوا أن من المهانة الاهتمام بأمر أولئك البدو الغزاة، فتركوا الأمر لمن دونهم في الدرجات يديرونها مع العرب، الذين أظهروا ذكاءاً فطريّا عظيماً في هذه الحروب، بتجنبهم الالتحام بالجيوش، اذ لا قبل لهم بمقاتلتها، وباتخاذهم خطة المناوشات والكرّ والفرّ بقوات غير كبيرة العدد، وبذلك تتوفر لهم السرعة في العمل ومباغتة الجيوش الضخمة من ورائها ومن مجنباتها، وبغزو خاطف كالبرق يلقي الفزع في القلوب. وبذلك أفسدوا على الروم خطتهم بالهجوم على العربْ، بجيوش نظامية كبيرةُ مدرّبة على القتال يكون في حكم المحال بالنسبة للعرب الوقوف أمامها لو أنهم حاربوهم حربهم، ووقفوا أمامهم وجهاً لوجه. وبركون العرب إلى هذه الخطة المبتكرة، وبمعاملتهم من خضع لهم واستسلم لأمرهم معاملة حسنة، وبتحريض “العرب المستعربة”، “العرب المتنصّرة”، وسكان، بلاد الشام من غير الروم، بل ومن الروم على الانضمام إليهم، غلبوا البيزنطيين، وحصلوا ما حصلوا عليه من أرضين.

وعند ظهور الإسلام كانت اليمن في حكم الساسانيين كما رأينا، غير أن حكمهم لم يكن في الواقع حكماً تاماً فعلياً.، بل كان حكماء شكلياً اسمياً، محصوراً في صنعاء وما والاها. أما الأطراف والمدن الأخرى. فكان الحكم فيها لسادات اليمن من حضر ومن أهل وبر. وهو حكم نسمّيه حكم “أصحاب الجاه والنفوذ”. وقد شاء بعض منهم أن يظهر نفسه بمظهر الملوك المنفردين بالحكم والسلطان والجاه، فلقبوا أنفسهم بلقب “ملك” وحملوه افتخاراً واعتزازاً، ولم يكن أولئك الملوك ملوكاً بالمعنى المفهوم، إنما كانوا سادات ارض وقبائل، جَمَّلوا أنفسهم بالقاب الملك.

فقد نعتت كتب التواريخ والسير سادات حمير في أيام الرسول: الحارث بن عبد كلال، وشريح بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، و “النعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر”، و “زرعة ذو يزن” “زرعة بن ذي يزن” ب “ملوك حمير”، وذكرت أنهم أرسلوا إلى الرسول رسولاً يحل إليه كتاباً منهم يخبرونه فيه بإسلامهم، وقد وصل إليه مَقفله من تبوك، ولقيه بالمدينة، فكتبّ الرسول إليهم جوابه، شرح لهم فيه ما لهم وما عليهم، وما يجب عليه مراعاة من إحكام. ويذكر “ابن سعد” أن هذا الرسول هو “مالك بئ مُرارة الرهاوي” “مالك بن مرة الرهاوي”، وقد وصل المدينة في شهر رمضان سنة تسع، وذلك بعد رجوعه من أرض الروم.

ودَوّن “ابن سعد” صورة كتاب ذكر أن الرسول أرسله إلى “الحارث” و “مسروح” و “نعيم” أبناء “عبد كلال” من حمير. حمله إليهم “عياش ابن أبي ربيعة المخزومي”. وأوصاه بوصايا ليوصي بها أبناء “عبد كلال” إن أسلموا. منها أنهم إذا رطنوا “فقل ترجموا”، حتى يفقه كلامهم. وإذا أسلموا، فليأخذ “قضبهم الثلاثة التي إذا حضروا بها سجدوا. وهي من الأئل قضيب ملمع ببياض وصفرة، وقضيب ذو عجر كأنه خبزران، والأسود البهيم كأنه من ساسم. ثم أخرجها فحرّقها بسوقهم. فذهب إليهم ووجدهم في دار. ذات ستور عظام على أبواب دور ثلاثة. فكشف الستر ودخل الباب الأوسط، وانتهى إلى قوم في قاعة الدار. ففعل بمثل ما أمره به الرسول.

ويظهر من قوله: “فاذا رطنوا فقل ترجموا”، أنهم لم يكونوا يحسنون عربية أهل مكة. وأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم بلهجاتهم الخاصة بهم. وأن معنى تحريق القضب الثلاثة، هدم ما كان لهم من عزة وسلطان وتكبر على الرعية، لأن الإسلام قد أمر باجتثات ذلك. وبان يكون الحكم للرسول وحده. ولما كانت تلك القضب رمزاً للحكم والسلطان، وقد جعل الإسلام الحكم للرسول وحده، هذا أمر الرسول بكسر تلك القضب، وفي كسرها أشعار لهم بأن حكمهم القديم قد زال عنهم، وأن الحكم الآن للرسول.

ويظهر من نص الكتاب الذي وجهه الرسول إلى “زرعة بن ذي يزن”، وفيه: “إما بعد، فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين… الخ”، أن “زرعة” هذا كان رأس حمير، والمطاع فيها، وهذا أرسل إليه رسولاً خاصاً به هو “مالك بن مرة الرهاوي”، واستلم جواباً خاصاً من الرسول كتب باسمه، ولم يذكر اسمه في الجواب الذي أرسله إلى الباقين بصورة مشتركة.

وذكر “ابن سعد” أن رسول الله كتب كتاباً إلى “بني عمرو” من حمير، ولم يذكر من هم “بنو عمرو”، وأشار إلى أن في الكتاب: “وكتب خالد ابن سعيد بن العاصي”، ما يدل على أنه كان كاتب ذلك الكتاب. ويشير “ابن سعد” أيضاً إلى إن الرسول أرسل “جرير بن عبد الله البجلي” إلى “ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع” والى “ذي عمرو”، يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما وأسلفت “ضريبة بنت ابرهة بن الصباح” امرأة “ذي الكلاع”. وتوفي رسول الله، وجرير عندهم، فأخبره “ذو عمر” بوفاته.

ويشير نسب “ذو الكلاع” المذكور. إلى انه من الأسرة التي كانت تحكم اليمن قبيل غزو الحبش لها. فهو من الأسر الشريفة الحميرية في اليمن. وقد عرف ب “ذي الكلاع الأصغر” عند أهل الأخبار تمييزاً له عن “ذي الكلاع الأكبر” الذي هو في عرفهم “يزيد بن النعمان الحميري” من ولد “شهال بن وحاظة بن سعد بن عوف بن عدي بن ماللت بن زيد بن شدد بن زرعة بن سبأ الأصغر”.

وأما صاحبنا “ذو الكلاع” الأصغر التي راسله الرسول، وأسلم فهو أبو”شراحيل سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر”. قال أهل الأخبار” والتكلع الخلف “وبه سُمىِّ فو الكلاع الأصغر، لأن حمير تكلَّعوا على يد. أي تجمعوا، إلا قبيلتين” هوازن وحراز، فانهما تكلعتا على ذي الكلاع الأكبر” يزيد بن النعمان”.

وذكر نسب “ذو الكلاع الأصغر” على هذا الشكل: “سميع بن ناكور ابن عمرو بن يعفر بن يزيد بن النعمان الحميري”. و “يزيد” هذا هو “ذو الكلاع الأكبر”. وذكر إن “أبا شراحيل” هو الرئيس في قومه المطاع المتبوع، أسلم في حياة النبي، فكتب إليه النبي على يد جرير بن عبد الله البجلي كتاباً في التعاون عل الأسود ومسيلمة وطليحة. وكان القائم بأمر معاوية في حرب صفير. وقتل قبل انقضاء الحرب، فقرح معاوية بموته، وذلك انه بلغه إن “ذا الكلاع” ثبت عنده إن عليّاً بريء من دم عثمان، وان معاوية لبسَّ عليهم ذلك، فأراد التشتيت عليه فعاجلته منيته بصفين وذلك سنة سبع وثلاثين.

ويكون “ذو الكلاع” الأصغر، قد تزوج بنتاً من بنات أبرهة هي “ضريبة”.

ونسب إلى النابغة قوله: أتانا بالنجاشة مجلـبـوهـا  وكندة تحت راية ذي الكلاع

يريد تميماً وأسداً وطيّاً اجلبوا الجيش على بني عامر مع أبي يكسوم وذو الكلاع كان معه أيضاً.

وذكر إن رسول الله كتب إلى “معد يكرب بن أبرهة” إن له ما أسلم عليه من أرض خولان. ولم يشر “ابن سعد” إلى بقية اسم أبرهة أو إلى شهرته، ذلك لا ندري إذا كان قصد “أبرهة” المعروف، أم شخصاً آخر اسمه “أبرهة”. ولكننا نعرف اسم قبل عرف ب “معد يكرب” اسم والده “أبو مرة الفياض” ذو يزن، كان متزوجاً من “ريحانة” ابنة “ذي جدن”، فولدت له “سعد يكرب” المذكور. ثم انتزعها منه “الأشرم”، ونشأ. “معد يكرب” مع أمه “ريحانة” في حجر “أبرهة”، فلعلّه نسب إليه، لذلك قال له “ابن سعد” “معد يكرب بن أبرهة”.

وكان للفرس وللجيل الجديد الذي ظهر في اليمن من تزاوجهم باليمانيين، وهو الجيل الذي عرف ب “الأبناء” نفوذ كبير في اليمن، وقد تحدثت عنه في الجزء السابق من هذا الكتاب. والى هذا الجيل أرسل الرسول “وبر بنُ يُحنس”، يدعوه إلى الإسلام، فنزل على بنات “النعمان بن بزرج” فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم، والى مركبود وعطاء ابنه، ووهب بن منبه. وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه.

وقد كان الفرس الذين أقاموا باليمن مثل سائر الفرس على المجوسية، ولما دخل أهل اليمن في الإسلام دخل بعض هؤلاء فيه. وأقام بعض آخر على دينه، وفرض الرسول على من بقي على دينه جزية. وقد نفر منهم بعض سادات اليمن من الأسر القديمة، بسبب انهم غرباء عن اليمن، جاؤوا إلى اليمن فحكموها، ولهذا انضم بعض منهم إلى “الأسود” في ردّته. لأن “الأسود العنسي”، كان كارهاً الأبناء، حاقداً عليهم. يرى انهم عصابة دخيلة، استأثرت بحكم اليمن. وقد شاءت الأقدار إن تكون نهايته بأيديهم. إذْ كان قاتله منهم فكأن قلبه كان يعلم بما سيفعلونه به، ولهذا كرههم.

وكانت الأزد من القبائل المعروفة في اليمن، وقد جاء وفد منهم إلى الرسول على رأسه “صرد بن عبد الله” في بضعة عشر، فأسلم، وأمره إن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن، وكان أول ما فعله انه حاصر “جرش”، وكانت قد تحصنت وضوت إليها خثعم، فلما وجد إن من العسر عليه فتحها إ القوة آوى إلى جبل “كشر”، فظن أهل جرش، انه إنما ولى عنهم منهزماً، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلاً. ثم أسلم من نجا منهم. وحمى الرسول لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس، وللراحلة، وللمثيرة تثير الحرث، فمن رعاها من الناس سوى ذلك فماله سحت.

وكتب الرسول كتاباً إلى “خالد بن ضباد الأردي” إن له ما أسلم عليه من أرضه، وكان كاتب كتابه “أبيَّ”. وكتب مثل ذلك لجنادة الأزدي وقومه، وكان كاتب هذا الكتاب “أبيَّ” كذلك. وكتب الرسول إلى “أبي ظبيان الأزدي” من “غامد” يدعوه ويدعو قومه إلى الإسلام. فأجابه في نفر من قومه بمكة. وكانت لأبي ظبيان صحبة، وأدرك عمر بن الخطاب.

وذكر إن “ضماد بن ثعلبة” الأزدي، كان صديقاً للرسول في الجاهلية، وكان يتطبب ويرقي من هذه الرياح، ويطلب العلم، فقدم مكة قبل الهجرة، واجتمع بالرسول وكلّمه، ثم أسلم. وهو من “أزد شنوءة”.

ونجد “ابن سعد” يدوّن صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه لبارق من الأزد. نظم فيه حقوقهم مثل إن لاُ تجذّ ثمارهم وان لا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق. وغير ذلك. وكتب الكتاب “أبيَّ بن كعب”، وشهد عليه أبو عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان.

ويجاور الأزد من الشرق “خثعم” و “مذحج” و “مراد” و “همدان” و “بلحارث”، ويجاورهم في غربهم “بنو كنانة” و “بنو عك”. وأما من الجنوب، فتتصل ديارهم بديار “همدان” و “حمير”.

وتجمع بعد وفاة النبي قوم من الأزد وبجيلة وخثعم، عليهم حميضة بن النعمان وذلك ب “شنوءة”، وعلى أهل الطائف “عثمان بن ربيعة”، فبعث عليهم “عثمان بن أبي العاص”، عامل النبي على الطائف بعثاً التقى بهم بشنوءة، فهزموا تلك الجُمّاع، وتفرقوا عن “”حميضة”، وهرب وفسدت ثورة هؤلاء المرتدين.

وتمرد قوم د من “خثعم” على “أبي يكر” حينما بلغهم نبأ وفاة الرسول وخرجوا غضباً إلى “ذي الخلصة” يريدون إعادته، فأمر “أبو بكر” “جرير ابن عبد الله” إن يدعو من قومه من ثبت على أمر الله، وان يستنفر “مقويهم”، فيقاتل بهم خثعم، فنفذ أمره فتتبعهم وقتلهم وعاد إلى الإسلام من تاب. وكان الرسول قد بعث سنة تسع للهجرة “قطبة بن عامر بن حدية” إلى خثعم بناحية “تبالة”، فتغلب عليهم.

وبقيت “همدان” قبيلة قوية من قبائل اليمن، وقد أسلمت كلها في يوم واحد، أسلمت يوم مقدم “علي بن أبي طالب” إلى اليمن على رأس سرية أمر الرسول بإرسالها إلى هناك. وقد فرح الرسول بإسلامها، وتتابع أهل اليمن على الإسلام.

وقد كانت همدان بطون عديدة، من بطونها “بنو ناعط”، ومن رجالهم “حمرة ذو المشعار بن أيفع”، وكان شريفاً في الجاهلية، والظاهر انه كان صاحب موضع “المشعار”. وهو “أبو ثور”. وقد وفد على الرسول، ووفد معه “مالك بن نمط” و “مالك بن أيفع”، و “ظمام بن مالك السلماني”، و “عميرة بن مالك الخارفي”، فلقوا رسول الله بعد مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم المعدنية، برحال المَبسْ على المهرية والأرحبية. ويذكر أهل الأخبار، إن الوفد لما وصل المدينة، ارتجز “مالك بن نمط” رحزاً، ثم خطب بين يدي الرسول، ذاكراً له إن نصيه، أي أخياراً أشرافاً من همدان، يريد رجال الوفد، قدمت إلى الرسول، وهي “من كل حاضر وباد” أي من أهل الحضر ومن أهل البادية، ومن أهل مخلاف خارف ويام وشاكًر، ومن أهل الإبل والخيل، قدموا إليه، بعد إن عافوا الأصنام واعتنقوا الإسلام. فأثنى الرسول عليهم، وشكره سم وكتب لهم كتاباً، وجهه “لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب، وحقاف الرمل مع وافدها، ذي المشعار: مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه”، ثم بين لهم ما عليهم وما لهم.

وورد إن “قيس بن مالك بن سد بن لأي الأرحبي” قدم على رسول الله وهو بمكة، فعرض رسول الله عليه الإسلام فأسلم، ثم خرج إلى قومه فأسلموا بإسلامه، ثم عاد إلى الرسول فأخبره بإسلامهم، فكتب له عهداً على قومه “همدان”. وذكر إن رجلاً مرّ بالرسول، وهو من “أرحب” من “همدان”، اسمه “عبد الله بن قيس بن أم غزال”، فعرض عليه الرسول الإسلام، فأسلم، فلما عاد إلى قومه قتله رجل من “بني زُبَيْد”. وجاء وفد آخر من “همدان” إلى الرسول فأسلم على يديه، وكان فيه “حمزة بن مالك” من “ذي مشعار”، وكان على الوفد مقطعات الحبرة مكففة بالديباج، فكتب الرسول لهم كتاباً، وأوصاهم بقومهم من بقيه بطؤن همدان.

وورد إن الرسول كتب ل “قيس بن مالك بن سعد الأرحبي”، عهداً ثبته فيه على قومه “همدان: أحمورها وعربها وخلائطها ومواليها إن يسمعوا له ويطيعوا”. وذكر إن الأحمور: قدم، وآل ذي مران، وآل ذي لعوة، وأذواء همدان. وقيل: حمورها: أهل القرى. وأرى إن المراد بالأحمور هم بقايا حمير الناطقون بالحميرية وهم سكان القرى والمدن. ذكروا وخصوا بالذكر، لأنهم اختلفوا عن غيرهم ممن كان يتكلم بلهجات أخرى، ولهذا ميزوا عن “عربها”، أي عرب همدان، وهم الأعراب، وعن الخلائط وهمم الذين يكونون أخلاط الناس وعن الموالي. وذهب بعض الباحثين، إلى إن “عربها” بالغين، أي “غربها” ويراد بهم: أرحب، ونهم، وشاكر ووداعة، و يام، و موهبة، و دالان، و خارف، وعذر، وحجور”.

وأما “بنو زُبَيْد”، فكان على رأسهم “عمرو بن معد يكرب الزبيدي”، وكان قد قدم على الرسول في أناس من قومه، ليعرض عليه الإسلام. فأسلم وأسلم من كان معه. وقد نعت بالشجاعة فدعي ب “فارس العرب”، وهو لقب يلقب به الشجعان الفرسان. وأقام في قومه من بني زُبَيْد. وعليهم “فروة بن مسيك المُرادي”، الذي كان قد استعمله الرسول على مراد وزبيد ومذحج كلها: فلما توفي رسول الله ارتد عمرو بن معديكرب. ووثب “قيس بن عبد يغوث” على “فروة بن مسيك”، وهو على مواد ة فأجلاه ونزل منزله.

وكان “عمرو بن معد يكرب” قد لقيَ “قيس برْ مكشوح المرادي” حين انتهى إليه أمر رسول الله، فعرض عليه إن يذهب معه إلى رسول الله حتى يعلم علمه، فإن كان نبيّاً، فإنه لا يخفى أمره عليهم، وإن كان غير ذلك علم علمه أيضاً وتركه، فلم يأخذ “قيس” برأيه وسفهّ فكرته. ثم أوعد “قّيس” “عمرو بن معد يكرب” يوم سمع بذهابه إلى الرسول وباعتناقه الإسلام. وقال: “خالفني وترك رأيي”.

وكان “فروة بن مسيك المرادي” من “بني مُراد” وقد عدّه “ابن حبيب” في جملة الجرارين، أي الذين قادوا ألفاً. وقد كان مفارقاً لملوك كندة، ومعانداً لهم. وقد شهد يوم الرزم، وهو يوم كان بين مراد قوم فروة وبن همدان، انتصرت فيه همدان على مراد. وقد نسبوا شعراً لفروة ذكروا انه قاله يعتذر فيه عن الهزيمة التي أصابت مراداً في ذلك اليوم، وكان الذي قّاد همدان فيه “مراد الأجدع بن مالك”.

ولما وصل “فروة” المدينة، نزل على “سعد بن عبادة”، وقد أكرمه الرسول، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه “خالد بن سعيد بن العاص” على الصدقات 6.

والى بني الحارث بن كعب أرسل الرسول خالد بن الوليد يدعنهم إلى الإسلام أو البقاء على دينهم وهو النصرانية مع دفع الجزية. فأسلم أكثرهم، وذهب وفد منهم فيه “قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذي الغصة”، و “يزيد بن عبد المدان”، و يزيد بن المحجل”، و “عبد الله بن قريظ الزيادي”، و “شدّاد بن عبد الله القناني”، و “عمرو بن عبد الله الضبابيّ”، فقابل الرسول، وكان السواد غالباً على لونهم، فقال الرسول، لما رآهم: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال من الهند?. قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث ابن كعب. وأمر رسول الله “قيس بن الحصن” على “بني الحارث بن كعب”. كما زار الرسول “عبدة بن مسهر الحارثي” في المدينة، وأسلم على يديه.

وكتب الرسول لبني الضباب من “بني الحارث بن كعب” إن لهم ساربة ورافعها، لا يُحاقّهم فبها أحد ما داموا مسلمين، وكتب كتابهم هذا المغيرة. وكتب لبني قنان بن وعلة من بني الحارث كتاباً إن لهم محبساً وانهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، كتبه له المغيرة أيضاً. وأمر الرسول كاتبه: الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، إن يكتب لعبد يغوث بن وعلة الحارثي، إن له ما أسلم عليه من أرضها وأشيائها، أي نخلها ما دام يقوم بما يفرضه الإسلام عليه من واجبات. وكتب له “علي بن أبي طالب” إن لبني زياد بن الحارث جمّاء وأذنبة. وأمر رسول الله المغيرة بن شعبة إن يكتب ليزيد بن المحجل الحارثي، إن له ولقومه نمرهّ ومساقيها ووادي الرحمان من بين غابتها. وانه على قومه من “بني مالك” و “عقبة” لا يغزون ولا يحشرون.

وأصر الرسول إن يكتب كتاباً ل “قيس بن الحصين ذي الغصة” أمانة لبني أبيه بني الحارث ولبني نهد حلفاء بني الحارث، يؤمنهم على أموالهم ما داموا مسلمين. وكتب كتاباً يشهد بإسلام “بني قنان بن يزيد” الحارثيين، ويؤمنهم فيه أيضاً إن لهمِ مذْوداً وسواقيه. وكتب مثل ذلك لعاصم، بن الحارث الحارثي، إن له نجمة من راكس لا يُحاقه فيها أحدا.

وكان “عوز بن سُرير الغافقي” في جملة من وفد من “غافق” على الرسول، كما كان فيهم “جليحة بن شجار بن صُحار الغافقي”.

وقد آلم ولا شك خروج الحبش من اليمن البيزنطيين كثيراً، وأصيبوا بخروجهم منها بخسارة من الوجهة العسكرية والاقتصادية، غير إن مما خفف من هذه المصيبة إن الفرس لم يكن لديهم آنذاك أسطول قوي يستطيع الهيمنة على مضيق المندب، مدجل البحر الأحمر، بل ولا سفن كافية يكون في وسعها حماية سواحل اليمن والعربية الجنوبية. لذلك لم يهدد دخولهم اليمن السواحلَ الإفريقية المقابلة لسواحل جزيرة العرب وهي مهمة بالنسبة للروم، ثم انهم عوّضوا عن خسارتهم الكبيرة الفادحة التي نزلت بهم باحتلال الفرس لبلاد الشام، بطردهم الفرس وإجلائهم عن كل الأرضين التي استولوا عليها وبإعادتهم “الصليب المقدس” إلى مكانه. فرفعوا بذلك من معنوياتهم في الشرق الأوسط وفي إفريقية.

وقد سُرَّ اليهود من خروج الحبش من اليمن ومن استيلاء الفرس عليها. إذه صاروا في حكم حكومة لا تحقد عليهم، حكومة لا يهمها أمر اليهود لعدم وجود علاقة لها بها. بل ربما ساعدتها لأنها تناهض الروم، على عكس النصرانية التي كانت قد وجدت في الحبشة نصيراً ومساعداً، لذلك، أتباعها وانحسروا تدريجياً، وبقيت متمركزة بمدينة نجران.

ولنجران وضع خاص. فقد تمتعت باستقلال ذاتي في الغالب. وقد تحرشتُ بتأريخها في مواضع متعددة من هذا الكتاب وبحسب المناسبات. ولما استولى الفرس على اليمن لم تدخل في طاعتهم ولم تخضع لحكم “عاملهم”، بل أخذت تدير شؤونها بنفسها وبمجلس تنفيذي حصر أمور البلد في أيدي سادات ثلاثة اختصر أحدهم بالحكم المدني، واختص ثانيهم بالنظر في أمور الدين. واختص الثالث في شؤون الأمن والدفاع عن المدينة. وقد عرفوا بالعاقب والسيد والأسقف. وقد قدموا على الرسول وباهلوه ؛. وكتبِ لهم كتاب الصلح وذلك سنة عشر للهجرة. واشترط عليهم في جملة. ما اشترطه فيه، إن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به. وكتب الكتاب: المغيرة.

وذكر إن الوفد الذي خرج إلى الرسول من نجران كان مؤلفاً من أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى. فيهم” العاقب، وهو عبد المسيح، رجل من كندة، وأبو الحارث بن علقمة، رجل من بني ربيعة، والسيد وأوس إبنا الحارث، وزيد بن قيس، وشيبة، وخويلد، وخالد، وعمرو، وعبيد الله، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم، والعاقب، وهو أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحبه مدارسهم، والسيد، وهو صاحب رحلهم. فتقدمهم “كرز” أخو “أبو الحارث”، ثم قدم الوفد بعده، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير، ثم كلّموا الرسول، وصالحهم على شروط، ثم عادوا إلى ديارهم، ثم عاد السيد والعاقب إلى المدينة فأسلما، وبقي الآخرون على دينهم إلى زمن “عمر” فأجلاهم، لأنهم أصابوا “الربا” وكثر بينهم. واشترى عقاراتهم وأموالهم، فتفرقوا، فنزل بعضهم الشام ونزل بعضهم “النجرانية” بناحية الكوفة.

وكان الحكم في نجران ل “بني الأفعى”، ثم تحول إلى “بني الحارث بن كعب”، فلما ظهر الإسلام كان حُكامها من بني الحارث بن كعب. أما بنو الأفعى فكانوا كثرة فيها. غير إن الحكم لم يكن في أيديهم.

ولما توفي رسول الله، كان عامله “عمرو بن حزم” بنجران. ولما قام “ذو الخمار عبهلة بن كعب” وهو ” الأسود”، بعامة مذحج على الإسلام في حياة الرسول وكان كاهناً شعباذاً، يري الناس الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه، أخرج “عمرو برت حزم” من نجران، واستولى عليها ثم سار “عبهلة” إلى صنعاء فأخذها، وأخذ يدعو الناس إليه، حتى قضى عليه. وأرسل الرسول قبل وفاته بقليل “وبر بن يُحنس” إلى “فيروز” و “جُشيش الديلمي” و “داذويه اللاصطخري”، و “جرير بن عبد الله” إلى “ذي الكلاع” و “ذي ظليم”، و “الاقرع بن عبد الله الحميري” إلى “ذي زود” و “ذي مران” وذلك للقضاء على “الأسود” وعلى من استجاب إليه، فقتل. قتله: “فيروز للديلمي” و “قيس بن مكشوح المرادي”، وعاد من ارتد واتبعه إلى الإسلام، ولم يكن الرسول قد فارق الدنيا بعد.

وكان النبيّ حين وفاته قد نصب عمالاً على عمالات تمتد من مكة إلى اليمن، فكان على مكة وأرضها “عتاب بن أُسيدْ” و “الطاهر بن أبي هالة”، عتاب على بني كنانة والطاهر على عك. وعلى “الطائف” وأرضها “عثمان بن أبي العاص” و “مالك بن عوف النصريّ”. “عثمان” على أهل المدر ومالك كل أهل الوبر أعجاز هوازن. وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم وأبو سفيان بن حرب. عمرو بن حزم على الصلاة، وأبو سفيان بن حرب على الصدقات، وعلى ما بين “رمع” و “زبيد” إلى حد “نجران” خالد بن سعيد بن العاص. وعلى همدان كلها “عامر بن شهر”، وعلى “صنعاء” فيروز الديلمي يسانده داذويه وقيس بن المكشوح، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى مأرب أبو موسى الأشعري، وعلى الأشعريين مع عك الطاهر بن أبي هالة، ومعاذ بن جبل يعلم القوم، يتنقل في عمل عامل. بقي الحال على هذا المنوال حتى نزا بهم الأسود الكذّاب.

وورد في ش رواية أخرى، إن رسول الله وجه “خالد بن سعيد بن العاص” أميراً إلى صنعاء وأرضها، وذكر انه ولى “المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي” صنعاء، فقبض وهو عليها. وقال آخرون إنما ولى “المهاجر” “أبو يكر”، وولى “خالد بن سعيد” مخاليف أعلى اليمن. وذكر أيضاً، إن رسول الله ولى “المهاجر” كندة والصدف، فلما قبض رسول الله، كتب أبو بكر إلى “زياد بن لبيد البياضي” من الأنصار بولاية كندة والصدف إلى ما كان يتولى من حضرموت. وولى المهاجر “صنعاء”. والذي عليه الإجماع إن رسول الله ولى “زياد بن لبيد” حضرموت.

ولما ارتد “قيس بن عبد يغوث المكشوح” ردته الثانية، وعمل في قتل فيروز وداذويه وجشيش، وكتب إلى “ذي الكلاع” وأصحابه” “إن الأبناء نزُّاع في بلادكم، وثقلاء فيكم، وأن تتركوهم لن يزالوا عليكم، وقد أرى من الرأي أن اقتل رؤوسهم، وأخرجهم من بلادناً، كتب “أبو بكر” إلى “عمير ذي مران” والى “سعيد ذو زود” والى “سميفع ذي الكلاع” والى “حوشب ذي ظلم”، والى “شهر ذي يناف”، يأمرهم بالتمسك بالإسلام، وبمقاومة “قيس” والمرتدين. فكاتب “قيس” “تلك الفالة السيارة اللحجية، وهم يصعدون في البلاد ويصوّبون، محاربين لجميع من خالفهم” “وأمرهم إن يتعجلوا إليه، وليكون أمره وأمرهم واحداً، وليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن”، فاستجابوا له، ودنوا من صنعاء. وعمد إلى الحيلة لقتل “فيروز”، و “داذويه”، و “جشيش”. وتمكن من “داذويه”، فقتله. فأحسرّ “فيروز” و “جشيش” بالمكيدة، فهربا إلى “خولان”، وهم أخوال “فيروز”، و امتنع “فيروز” بأخواله. فثار “قيس” بصنعاء، وجمع “فيروز” من تمكن جمعه من الأبناء، وكتب إلى “بني عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة” والى “عك” يستنصرهم ويستمدهم على “قيس”. فساروا إليه ووثبت “عك” وعليهم “مسروق”، وسار “فيروز” بهم نحو “قيس”، فهرب في قومه والتحق بفلول “العنسي” التي تذبذبت بعد مقتله، وسار فيما بين صنعاء ونجران. وانضم إلى “عمرو بن معديكرب”. وكان “عمرو” قد فارق قومه “سعد العشيرة” في “بني زبيد” وأحلافها وانضم إلى “العنسي”.

ولما أرسل “أبو يكر” مدداً إلى من أرسله إلى اليمن، انضم إليه قوم من “مهرة” وسعد زيد والأزد وناجية وعبد القيس وحُدبان من بني مالك، وقوم من العنبر والنخع، وحمير، واختلف “قيس” مع “عمرو بن معديكرب”، وإنفلّ من كان معهما، وأخذا أسرين إلى أبي بكر، فعفى عنهما. وانتهت بذلك ردة هذين المرتدين.

ومن “بني خُشَين” “أبو ثعلبة الخشني”،. وقد وفد على الرسول وأسلم ووفد عليه نفر من “خشين” فنزلوا عليه وأسلموا وبايعوه ورجعوا إلى قومهم.

وكان من جملة وفود أهل اليمن إلى الرسول، وفد “بهراء”، جاؤوا إلى المدينة فأسلموا، وقد نزلوا على “المقداد بن عمرو”.

ومن قبائل اليمن قبائل “مذحج”، وتقع منازلها جنوب منازل “خثعم” وفي شمال ديار “قهد”. ومن بطونها “الرهاويون”، وهم حيّ من مذحج، قدم وفد منهم على الرسول سنة “عشر” للهجرة فأسلموا. وقدم رجل منهم اسمه “عمرو بن سبيع” على الرسول فأسلم، فعقد له رسول الله لواءً.

وأرسل “النخع” رجلين منهم إلى النبيّ” “ارطاة بن شراحيل بن كعب” من “بني حارثة بن مالك بن النخع” و “الجهيش” واسمه “الأرقم” من “بني بكر بن عوف بن النخع” فأسلما، وعقد لأرطاة لواء على قومه، وجاء وفد آخر من وفد النخع من اليمن سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، وكان فيهم “زرارة بن عمرو”، وقيل هو “زرارة بن قيس بن الحارث بن عداء”، وكان نصرانياً، فأسلموا، وبايعوا الرسول، وكانوا قد بايعوا “معاذ بن جبل” باليمن.

وقسم “جرير بن عبد الله البجلي” سنة عشر المدينةَ على رأس وفد من قومه “بحيلة”، فأسلموا وبايعوا الرسول. وقدم وفد آخر منهم فيه “قيس بن عزرة الأحمسي” فأسلموا وعادوا إلى ديارهم وجاء وفد “خثعم” وفيه “عثعث بن زحر” و “أنس بن مدرك”، فأسلموا، وكتب النبي لهم كتاباً. وقد دَوّن “ابن سعد” صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه ل “خثعم” “من حاضر بيشة وباديتها”، وأن الذي كتبه له وشهد عليه “جرير بن عبد الله” ومن حضر. ودَوّنَ “ابن سعد” صورة كتاب آخر، أمر الرسول بكتابته ل “مطرف بن الكاهن الباهلي”. جاء فيه: “هذا كتاب من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيشة من باهلة”. ويظهر منه أن “مطرفا” المذكور وقومه من باهلة كانوا يقيمون اذ ذاك ب “بيشة”. ودَوّن “ابن سعد” صورة كتاب آخر كتبه الرسول إلى “نهشل بن مالك الوائلي” من “باهلة. ولم يذكر الكتاب مواضع منازلهم.

وكان من رجال “جُعْفى” الذين وفدوا على الرسول” “قيس بن سلمة ابن شراحيل”، و “سلمة بن يزيد”، فأسلما، وأستأذنا الرسول بالعودة إلى منازلها. فلما كانا في الطريق، لقيا رجلاً من أصحاب رسول الله، معه إبل منه ابل الصدقة، فطردا الإبل، واوثقا الراعي. ومن “جعفى”، “ابو سبرة”، وهو “يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفى” وابناه “سبرة” و “عزيز”، قدم بهما أبوهما على الرسول، وأسلموا.

وأما “تهامة”، فكان بها عَك والأشعرون. وكانوا قد ارتدوا بعد سماعهم خبر وفاة الرسول، ولكنهم غلبوا على أمرهم، وعادوا إلى الإسلام ولما توفي الرسول، كان أول منتقض بعد النبي بتهامة عَك والأشعرون، وذلك انهم حين بلغهم موت النبي، تجمعوا وأقاموا على الاعلاب طريق الساحل. فسار عليهم “الطاهر بن أبي هالة” ومعه “مسروق المكيّ”، فهزمهم وقتلهم كل قتلةَ، وعرفت الجموع من عكّ ومن تأشب إليهم” الأخابث، وُسميّ الطريق الذي تجمعوا فيه “طريق الأخابث”، وجاء وفد من الأشعريين، فيه “أبو موسى الأشعري”، ومعه رجلان من “عكّ” قدم في سفن في البحر، ثم نزلوا الساحل وذهبوا “برّاً إلى المدينة، فرأوا الرسول وبايعوه.

وأرسلت “جيشان” نفراً إلى المدينة فيهم “أبو وهب الجيشاني”، فأسلموا. وكان الحكم في حضرموت إلى الاقيال كذلك. وفي أيام الرسول قدم عليه “وائل بن حجر” راغباً في الإسلام، وكانت له مكانة كبيرة في بلده، وقد نعته كتاب الرسول الذي كتبه إليه ب “قيل حضرموت”، وقد كان لكندة والسكاسك والسكون والصدف اثر كبير في تأريخ حضرموت في هذا العهد الذي نتحدث عنه.

وذكر “ابن سعد”، إن الرسول كتب إلى أقيال حضرموت، وعظمائهم، كتب إلى “زرعة” و “فهد” و “البسّي” و “البحري” و “عبد كلال” و”ربيعة” و “حجر”.ْ وكانت كندة هي القبيلة المتنفذة بحضرموت، كان “الاشعث بن قيس بن معديكرب الكندي” من رؤساء هذه القبيلة البارزين، وقد مدح الأعشى “قيس ابن معديكرب” بقوله: وجلنداء في عُمان مـقـيمـاً  ثم قيساً في حضرموت المنيف

وكان “الأشعث بن قيس” على رأس وفد كندة الذي وفد على الرسول سنة عشر، فأسلم مع قومه على يديه. وقد كان رجال الوفد قد رجًّلوا جمعهم واكتحلوا، ولبسوا جباب الحبرة قد كفَوّها بالحرير، وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب، فأمرهم الرسول بتك ذلك. فألقوه.

وذكر “أبو عبيدة”، إن “الأشعث بن قيس” لم يكن كندياً، وإنما صار في كندة بالولاء. وزعم إن والد “قيس” وهو “معمد يكرب” كان علجاً من أهل فارس إسكافاً اسمه “سيبخت بن ذكر”، قطع البحر من توج إلى حضرموت. وللفرزدق شعر في ذلك قاله في حق “عبد الرحمن” حين خالف عبد الملك بن مروان. كما زعم إن “وردة بنت معد يكرب” عمة الأشعث كانت عند رجل من اليهود، فماتت ولم تخلف ولداً، فأتى الأشعث “عمر بن الخطاب” يطلب ميراثها، فقال له عمر” لا ميراث لأهل ملتين. وقد عرف ملوك كندة الذين راسلهم الرسول ب “بني معاوية”، وهم الذين عرفوا ب “بني معاوية الأكرمين”، في شعر مدحوا به.

وكان مخوص “مخوس” ومشرح وجمد “حمدة” وأبضعة بنو معد يكرب ابن وليعة بن شرحبيل بن معاوية من الرؤساء الملقبين بلقب ملك، لأن كل واحد منهم قد اختص بواد ملكه، ولقب نفسه بلقب ملك. وقد نزلوا المحاجر، وهي أحماء حموها، وقد عرف هؤلاء بالملوك الأربعة من بني عمرو بن معاوية وقد لعنهم النبيّ. وعرفوا ب “بني وليعة” ملوك حضرموت وقد جاؤوا إلى الرسول مع وفد كندة فأسلموا.

ووفد رئيس آخر من رؤساء حضرموت على الرسول اسمه “وائل بن حجر”، ويظهر انه كان ذا منزلة كبيرة عند قومه، فلما وصل المدينة أمر الرسول “معاوية بن أبي سفيان” باستقباله وبإنزاله منزلاً خاصاً ب “الحرة”، وأمر بأن ينادى ليجتمع الناس: الصلاة جامعة، سروراً بقدومه، ولما أراد الشخوص إلى بلاده كتب له الرسول كتاباً دعاه فيه ب “قيل حضرموت”، وذكر فيه انه جعل له في يديه من الأرضين والحصون. ولما أمر الرسول معاوية بأن ينزل “وائلاً” بالحرة، مشى معاوية معه ووائل راكب، فقال معاوية: الق إليّ نعليك أتوقّى بهما من الحرّ، فقال له: لا يبلغ أهل اليمن إن سوقة لبس نعل ملك، ولما قال له: فأردفني، قال: لستَ من أرداف الملوك، ولكن إن شئتَ قصرت عليك ناقتي فسرتَ في ظلها، فأتى معاوية النبي، فأنبأه بقوله، فقال رسول الله: إن قيه لعُبية من عُبيّةَ الجاهلية.

وكان “الأشعث الكندي” وغيره من “كندة” نازعوا “وائل بن حجر” على وادٍ بحضرموت فادعوه عند رسول الله، فكتب به رسول الله، لوائل ابن حجر. بعد إن شهد له أقيال حمير وأقيال حضرموت. فكتب له بذلك، وأقره على ما في يده من الأرضين.

ومن قرى حضرموت” تريم ومشطة والنجير وتنعة وشبوة وذمار وكان الرسول قد استعمل “المهاجر بن أبي أمية” على كندة والصدف و “زياد بن لبيد البياضي” من “بني بياضة” على حضرموت، و “عكاشة ابن محصن” على “السكاسك” و “السكون”. ولما توفي الرسول، خرج “بنو عمرو بن معاوية”، إلى محاجرهم، ونزل “الأشعث بن قيس الكندي” محجراً، و “السمط بن الأسود” محجراً، وطابقت “معاوية” كلها على منع الصدقة وأجمعوا على الردة، إلا ما كان من “شرحبيل بن السمط” وابنه، فإنهما خالفوهم في رأيهم، فهجم المسلمون على المحاجر، وقتلوا الملوك الأربعة.

وساروا على “الأشعث” ومن انضم إليه من “كندة”، والتقوا بمحجر الزرقان فهزمت كندة وعلهم الأشعث: فالتجأت إلى حصن النجر، ومعهم من استغووا من السكاسلك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير، فلحقتهم جيوش المسلمين، ومنعت المسد عنهم، وأخضعت من بقرى “بني هند” إلى “برهوت”، وأهل الساحل، وأهل “محا”، فخاف من بالحصن على نفسه، واستسلم الأشعث وانتهت فتنته. وأخذ إلى المدينة، فحقن “أبو بكر” دمه، وزوّجه أخته، ثم سار إلى الشام والعراق غازياً ومات بالكوفة.

وكان “شرحبيل بن السمط” الكندي مقاوماً للأشعث بن قيس الكندي في الرئاسة، وانتقل العداء إلى الأولاد.

وينسب “الصدف” إلى الصدف بن مالك بن مرخ بن معاوية بن كندة”، فهم إذن من كندة.

وذكر إن من سادات حضرموت في هذا العهد” “ربيعة بن ذي مرحب الحضرمي”. وقد كتب إليه الرسول كتاباً أقره فيه وأقر أعمامه وأخوته وكل “آل ذي مرحب” على أرضهم وأموالهم ونخلهم ورقيقهم وآبارهم ونخلهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجعهم وان “أموالهم وأنفسهم وزافر حائط الملك الذي كان يسيل إلى آل قيس” هو لهم. وكتب الكتاب للرسول معاوية بن أبي سفيان.

وكان يتنازع على رئاسة مهرة رجلان منهم عند ظهور الإسلام، أحدهما “شجريت” وهو من “بني شخراة”، وكان بمكان من أرض مهرة يقال له: “جَيْروت” إلى “نضدون”. وأما الأخر فبالنّجد. وقد انقادت مهرة جميعاً لصاحب هذا الجمع، عليهم “المصبح” أحد بني محارب، والناس كلهم معه، إلا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين، كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه” وقد قتل “المصبح” في أثناء ردة مهرة، أما شخريت الذي كان قد أسلم ثم ارتد، فقد سلم على نفسه بعودته إلى الإسلام، وأرسل مع الأخماس إلى “أبي بكر”.

ويذكر أهل الأخبار إن بعض رجال “مهرة” وفدوا على الرسول، منهم “مَهْرى بن الأبيض”، وقد كتب له الرسول كتاباً، و “زهير بنِ قرضم ابن العُجيل بن قباث بن قمومي”، وقد اسلم، وكتب له الرسول كتاباً حين هم بالانصراف إلى قومه.

ومن مواضع “مهرة” “رياض الروضة”، بأقضى أرض اليمن من مهرة، و “جيروت” و “ظهور الشحر” و “الصبرات” و “ينعب” و “ذات الخيم”.

وأما عمان، فكان المتنفذ والحاكم فيها “الجلندى بن المستكبر”، وكان قد نصب نفسه ملكاً عليها، ويفعل في ذلك فعل الملوك، فيُعشرُ للتجار في سوق “دبا” و “سوق صحار” وكانت سوق دبا من الأسواق المقصودة المشهورة، يأتي إليها البائعون والمشترون من جزيرة العرب ومن خارجها، فيأتيها تجار من السند والهند والصين.

وورد في باب الرسل الذين أرسلهم رسول الله إلى الملوك، انه أرسل “عمرو بن العاص” إلى”جيفر بن جلندى” و”عباد بن جلندى” “عبيد” “جيفر بن جلندى بن عامر ابن جلندى” “عبدا” الأزديين صاحبي عمان. مما يدل على انهما كانا هما الحاكمين على عمان في هذا الوقت. وتعني لفظة “جلنداء” الواردة في شعر الأعشى في مدح “قيس بن معد يكرب” “الجلندى” صاحب عمان. وتذكر الروايات إن “جيفر”، كان هو الملك منهما: وكان أسن من أخيه.

وكان يُسامي “الجلندى” “ذو التاج” “لقيط بن مالك الأزدي”، وقد أرتد وادعى يمثل ما ادعى من تنبأ: وغلب على عمان، والتجأ “جيفر” و “عباد” إلى الجبال. فأرسل “أبو بكر” إليهما مدداً، فتغلبا عليه وعلى من التف حوله. ويظهر إن لم لقيطاً” كان ينافس “آل الجلندى بن المستكبر” على السلطان، وقد اعتصم “آل الجلندى” بالإسلام. وانتصروا بفضل المدد الذي وصل إليهم عليه. وقد قتل “لقيط” وسُبي أهل “دبا”.

وكلمة “الجلندي” على ما يظهر من روايات الأخباريين ليست اسماً لشخص، وإنما هي لقب، وقد تعني “لقباً” أو “قيلاء” أو “كاهناً” في لهجات أهل عمان. ويؤيد ذلك ما ورد من انه “ادعى به من كان نبيّاً”.

وارتدت طوائف من أهل “عمان”، ولحقوا بالشحر، وارتد جمع من “مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة”، فجهز عليهم “أبو بكر” “عكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي” و “حذيفة بن حصن البارقي” من الأزد، فتغلبا عليهم جميعاً، وعادوا عن ردتهم إلى الإسلام.

ودوّن “ابن سعد” صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه لرجل من “مهرة” اسمه “مهري بن الأبيض”. كتبه له: “محمد بن مسلمة الأنصاري”.

وغالب أهل عمان من الأزد. وهم من “القحطانيين على رأي أهل الأنساب، من نسل “أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ”. وقد عرفوا ب “أزد عمان”، تمييزاً لهم عن أزد شنوءة وأزد السراة وعن أزد غسان. وذكر إن أصل كلمة “أزد” هي “أسد”، وان “أسد” “أفصح من”أزد” وان الأزد نزلت عمان بعد سيل العرم، فغلبت على من كان بها من ناس. وإما أزد “شنوءة” فقد اتجهوا نحو الشمال، فذهب قوم منهم إلى العراق، ذكر انهم سموا “شنوءة” لشنآن، أي تباغض وقع بينهم أو لتباعدهم عن بلدهم. وإذا أخذنا بهذا التفسير، قلنا إنه يعني إن هذه الجماعة من الأزد، كانت مستبدية أعرابية، عاشت متباغضة يقاتل بعضها بعضاً، وهذا ما دفع فلولها على الارتحال عن مواضعها الأصلية وعلى الانتشار والتفكك والذهاب إلى أماكن بعيدة عن مواطنها شأن الأعراب المتقاتلين المتخاذلين.

ثم نراهم يذكرون إن أول من لحق بعمان من الأزد: “مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله ابن مالك” وكان سبب خروجه عن قومه إلى عمان: إن كان له جار وكان لجاره كلبة، وكان بنو أخيه “عمرو بن فهم بن غانم يسرحون ويروحون على طريق بيت ذلك الرجل، وكانت الكلبة تعوي عليهم وتفرق غنمهم، فرماها أحدهم بسهم فقتلها. فشكا جار مالك إليه ما فعل بنو أخيه، فغضب مالك وقال: لا أقيم في بلد ينال فيه هذا من جاري. ثم خرج مراغماً لأخيه عمرو ابن فهم. ثم لحقت به قبائل أخرى من الأزد”.

ويذكر الأخباريون إن “عمان” نسبة إلى رجل اسمه “عمان بن قحطان”: وكان أول من نزلها بولاية أخيه يعرب، وذكر أيضاً إن “عمان” اسم وادٍ، كان ينزل الأزد عليه حين كانوا بمأرب، وان الفرس كانوا يسمون “عماناً” “مزون”. وذكر إن العرب كانت تسمي “عمان” المزون. وذكر إن “أردشير بابكان” جعل الأزد ملاحين بشحر عمان قبل الإسلام بستمائة سنة. وقيل إن المزون، قرية من قرى عمان يسكنها اليهود والملاحون ليس بها غيرهم. ونزل بعمان ناس من غير الأزد. منهم جمع من “بني تميم”، ومنهم “آل جذيمة بن حازم”، وقوم من “بني النبيت” من الأنصار، ومنازلهم في قرية يقال لها “ضنك” من أعمال “السر”، و “بنو قطن” من أهل يثرب. كذلك، ومنازلهم “عبرى” و “السليف” و “تنعم” من أرض السر، وقوم من “بني الحارث بن كعب”، وآخرون من “قضاعة”، وفروع من “عبس”.

وكان في جملة من وفد من أزد عمان على الرسول، “أسد بن يبرح الطاحي، خرج في وفد، فبايعوا الرسول، وطلبوا منه إن يرسل إليهم رجلا يقيم أمرهم، فأمر رسول الله “مخربة العبدي”، واسمه “مدرك بن خُوط” بأن يذهب اليهم، ويعلمهم القرآن والإحكام. وجاء بعده وفد آخر فيه “سلمة ابن عياذ “عباد” الأزدي”.

ومن عمان “صحار”، وقد اشتهرت بسوقها. و “قسات”، وهي فرضة عمان على للبحر، إليها ترفأ أكثر سفن الهند. و “دبا” “حما” و”مهرة”. ويعقد سوق صحار في أول يوم من رجب، ولا يختفر فيها بخفير، ثم يرتحلون إلى سوق دبا، فيعشرهم “آل الجلندى”.

ودوّن “ابن سعد” صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه إلى وفد “ثُمالة” و “الحُدّان”. جاء فيه “هذا كتاب من رسول الله لبادية الأسياف ونازلة الأجواف مما حاذت صُحار”، ثم ورد بعدها ما وضع عليهم الرسول من، حقوق. وقد كتب الصحيفة “ثابت بن قيس بن شماس”، وشهد عليها: سد بن عيادة ومحمد بن مسلمة.

وأما البحرين، فجلّ سكانها من “بني عبد القيس” وبكر بن وائل وتميم. وهم بين أهل شرك أو نصرانية وبين شراذم من يهود ومجوس. أما الوالي عليها في أيام ظهور الرسول، فكان “المنذر بن ساوى”.. وهو من بني عبد الله ابن زيد” من “بني تميم”. وكانوا ملوك المشقر بهجر، وكانت ملوك الفرس قد استعملتهم عليها. و “عبد الله بن زيد” هذا هو “الأسبذي”، نسبة إلى قرية ب “هجر” يقال لها “الأسبذ”، ويقال انه نسب إلى “الأسبذيين”، وهم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين.

و “المشقر” حصن آخر من حصون البحرين المعروفة، وهو من الحصون العادية لذلك نسب بعض أهل الأخبار بناءه إلى “سليمان بن داوود” على عادتهم في إرجاع نسب الأبنية العادية إليه في الغالب عند عجزهم عن معرفة أصل الأبنية. وذكر بعض آخر انه من بناء “طسم”. وقد كان لعبد القيس، ولهم حصن أخر يليه اسمه “الصفا” قبل مدينة “هجر”. وبين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له “العين”. ويذكر أهل الأخبار إن “بني عبد القيس” لما جاؤوا بها “إياداً”، فأخرجوهم عنها قهراً، وأخذوا مكانهم. وان “كسرى” حبس “تميماً” بهذا الحصن، وفيه فتك “المكعبر” والي “كسرى”، ببني تميم. وعرف الموضع لذلك ب “فج بني تميم”.

وقد ورد اسم هذا الحصن في شعر “لبيد بن ربيعة العامري”، إذْ قال: وأعوصن بالدوميّ من رأس حصنه  وانزلن بالأسباب رب المشـقـر

وقد ذكر شارح الديوان إن الشاعر “لبيد” قصد بالدوميّ ملك دومة الجندل. وان المشقر حصن بالبحرين. “قال أبو عمرو” وكان ربَهّ رجلاً من الفرس”. وجاء في هامش التحقيق إن “المشقر” قصر بالبحرين بناه معاوية بن الحارث بن معاوية الملك الكندي، وكانت منازلهم ضرية، فانتقل أبوه الحارث إلى الغمر ظ وبنى ابنه المشقر، وقال ابن الأعرابي: المشقر بمدينة قديمة في وسطها قلعة، وهي مدينة هجر”.

وتقع ديار “عبد القيس” إلى الشمال من ديار “أزد عمان”، وهي تشرف على الخليج، وتمتد نحو الشمال حتى تصل إلى منازل قبائل “بكر بن وائل”، وقد خالطتها قبائل أخرى. وسكنت إلى الغرب من ديار “عبد القيس” قبائل “تميم”، التي تمتد ديارها موازية لديار “بني عبد القيس” الواقعة إلى شرقها حتى تصل إلى ديار “بكر بن وائل” وديار “أسد” التي تؤلف الحدود الشمالية الغربية لها. وأما القبائل النازلة إلى الغرب من ديار تميم، فهي: أسد وهوازن و “غني” و “باهلة”، وأما القبائل النازلة إلى الجنوب من بلاد تميم، فهي “أزد عمان” و “عبد مناة” و “ضَبةّ”.

ويخبر من دراسة الروايات التي يرويها أهل الأخبار عن هجرة القبائل، إن “يبني عبد القيس”، لما جاؤوا إلى البحرين، كانت البلاد إذ ذاك لإياد، فجلت إياد من البحرين ونزحت نحو العراق، فكان ما كان لها من مواقف هناك مع الفرس.

وسبب غدر “المكعبر” ببني تميم، هو وثوبهم على قافلة كانت محملة بالطرف والأموال أرسلها “وهرز” عامل كسرى على اليمن إلى كسرى، فاغتاط “كسرى” من ذلك، وأراد إرسال جيش عليهم، فأخبر إن بلادهم بلاد سوء، قليلة الماء، وأشر إليه إن يرسل إلى عامله بالبحرين إن يقتلهم، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة. فلجأ العامل إلى الغدر بهم، فأمر مناديه إن ينادي لا تطلق الميرة إلا لتميم، فأقبل إليه خلق كثير، فأمرهم بدخول المشقر وأخذ الميرة، والخروج من باب آخر، فدخل قوم منها فقتلهم. ثم أجهز على الباقين، وبعث بذراريهم في سفن إلى فارس.

وذكر إن “المكعبر” واسمه “فيروز بن جشيش”، تحصهن ب “الزارة” وانضم إليه مجوس كانوا تجمعوا بالقطيف، وامتنعوا عن أداء الجزية، فحاصرها “العلاء” وفتحها في أول خلافة “عمر”. وفتح “العلاء” “السابون” و “دارين” في الساحل المقابل من الخليج.