ترك المصريون والآشوريون والبابليون واليونان والرومان وغيرهم آثاراً كثيرة، فيها صور معارك وأسلحة ومعدات وجنود مقاتلين أو مستأسرين أو منتصرين، أفادت الآثاريين والعلماء في تكوين رأي في حروب تلك الأمم والآلات التي استعانت بها في قتالها. أما الجاهليون فلم يتركوا، ويا للاسف، إلا نزراً يسيراً من الآثار فيه صور حروب أو جنود أو معدات قتال، لهذا صار علمنا بالحروب عندهم مستمداً من تلك النصوص القليلة ومن نصوص معدودة وردت في الآثار الآشورية أو البابلية وفيها إشارات إلى العرب، ومن موارد أعجمية مكتوبة تحدثت عن حروب وقعت مع العرب، ومن الموارد الإسلامية.

ولفظة “الحرب”، وتجمع على حروب، هي اللفظة الشائعة المعروفة عند الجاهليين للخروج لمحاربة العدو والاصطدام به. وترادفها لفظة “ضر” وتجمع على “اضرو” في اللهجات اليمانية. وهناك لفظة أخرى هي “غزو” وتعني الخروج لمحاربة العدو. فهي في معنى الحرب والغزو. وترد في اللهجات العربية الجنوبية أيضاً. ويراد ب “غزت”، غزوات في عربيتنا، أي في حالة الجمع. وب “غزوي” غزوتين اثنتين. وأما لفظة ” هغرو” فتعني أغاروا على قوم، والغارة هي “هغر” في العربية الجنوبية.

وترد لفظة “حربت” “ح ر ب ت”.بمعنى معركة، وحرباً واحدة في اللغة السبئية. وأما “حريب” فتعني الحروب والمعارك، أي جمع “حرب”. وأما “حرب” فتعني المحاربة وحارب والحرب.

وتطلق لفظ قي “ضبا” في السبئية بمعنى الحرب، وبمعنى إعلان الحرب أيضاً. ووردت لفظة “ضبات “، بمعنى مقاتلين ومحاربين. وترد لفظة “تادم”، بمعنى الشروع في قتال والاستعداد لحرب.

ويقال للحرب “ضرر” في اللحيانية. أما لفظة “الحرب”، فتعني السطو والسرقة، بالإضافة إلى معنى الحرب التي تعني الخصام والقتال.

ويعبر عن لفظة قاتل بلفظتي “سبا” و “جنب” في السبئية. وتؤدي لفظة “حرب” هذا المعنى أيضاً، إذ أنها تعني حارب. و “جنب”، بمعنى قتال وتعارك وتحارب.

ويقال للحرب “حرب” في اللهجة الصفوية، أي على نحو ما تجده في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.

ويعبر عن الحملة أو الغزوة بلفظة “برث” في السبئية. ويقال لها “خرجت” أيضاً. ويراد ب “خرجت” ثورة كذلك. ويعبر عن الحملة والغزوة بلفظة “منشا” في بعض الأحيان. ويعبر عنها بلفظة “مبسا” “مسبأ”.كذلك. كما يقال “مقرن” أيضاً.

والعرب تقول: الحرب غشوم، لأنها تنال غير الجاني. وتصيب أناساً لا علاقة لهم بها ولا صلة، فهي لا تعرف التفريق بين الجاني ومن لا ذنب لهْ. “وقد عرف علماء اللغة الجيش بأنه الجند، أو جماعة الناس في الحرب والجمع جيوش. وقالوا الجيش: العسكر. فالمراد بالجيش اذن الجماعة المقاتلة التي تخرج للقتال. وترد لفظة “جيش” في العربيات الجنوبية كذلك. وتجمع على “اجيش” “أجيش” فيها، أي في مقابل “جيوش” و “الجيوش” في عربيتنا، ويذكر علماء اللغة ان الجيش واحد الجيوش، ويراد به جماعة الناس في الحرب.

وترد لفظة “خمس” “خميس” في العربيات الجنوبية بمعنى الجيش. وترد في عربية القرآن الكريم كذلك. فقد ورد ان الخميس الجيش،أو الجيش الجرار، أو الجيش الخشن. وذكر بعض علماء اللغة ان العرب سمت الجيش خميساً لأنه مكون من خمس فرق: المقدم والقلب والميمنة والميسرة والساقة،. وقالوا: بل سمي الجيش خميساً لأنه يخمس فيه الغنائم. والظاهر ان الأصل في “الخميس”، الجيش المنظم الكبير الذي يحارب بإمرة وبنظام. وتجمع لفظة “خمس” أي “جيش” في العربية الجنوبية على “اخمس” أي جيوش.

ويعبر عن الجيش بلفظة أخرى هي: عسكر.و “العسكر”. وأما الموضع الذي يعسكر فيه فهو “المعسكر”.

ويطلق الجاهليون على الجيش الكَثير الذي لا يسير إلا زحفاً من كثرته “الجرار” ويطلقون على الجيش العظيم كلا “الجحفل”. ويقولون “جيّش الجيش” و”جيَش فلان الجيوش” للتعبير عن التعبئة وتحضير المحاربين لقتال العدو.

وللعرب آداب وقواعد في الحرب ، يطلبون من المحاربين اتباعها لكسب الحرب.قيل لأكثم بن صيفي: صف لنا العمل في الحرب، قال: أقلوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه. واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، فتثبتوا، فإن أحزم الفريقين الركين، ورب عجلة تعقب ريثاً، وادرعوا الليل، فإنه أخفى للويل، وتحفظوا من البياتْ. وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لما رأى عسكر رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم: أما ترونهم خرساً لا يتكلمون،يتلمظون تلمظ الحيات.

و “المعسكر” هو موضع تجمع العسكر وموضع نزولهم فيه. ويقال له “حيرت” “حيرة” في السبئية.

وتقول العرب: إن الشجاعة وقاية والجبن مقتلة. وأعتبر من ذلك أن من يقتل مُدبراً أكثر من يقتل مقبلاً. وتقول أيضاً: الشجاع موقى، والجبان مُلقى. فاستقبال الموت عندهم،خير من استدباره. ولم يكونوا يهتمون بالكثرة قد اهتمامهم بالألفة بين المحاربين، وبالعمل يداً واحدة وكأنهم بنية مرصوصة. قيل لعنترة: كم كنتم يوم الفروق ? قال: كنا مئة، لم نكثر فنتكل، ولم نقل فنذلّ.

وللحرب عند الجاهليين أسباب عديدة، يدخل في ضمنها ضنك العيش في البادية مما يحمل القبائل على التناحر والتقاتل فيما بينها للحصول على الماء والكلا، وهما عماد الحياة في البادية، أو الحصول على غنيمة. ويعبر عن هذه الحروب ب “الغزو”. والواحدة “غزو”. وهي تعتمد على مبدأ المباغتة في الغالب.

أما الحروب،فإنها الحروب الكبيرة التي تقع بين دول وحكومات. كما أن الغارة،.هي غزو مفاجىء يفاجىء به العدو عدوّه، ليأخذه على غرة، ولينتزع منه ما يجده عنده من مال.

وقد كانت القبائل تغير بعضها على بعض، ثم تتراجع حاملة ما حصلت عليه من غنائم وأسلاب، وقد ترجع وهي مسلوبة مهزومة، في حالة تمكن من أريد إيقاع الغارة به من الدفاع عن نفسه، ومن تغلبه على المغير ورده خائباً على ألأعقاب.

وتكون الغارات في وجه الصبح في الغالب، حتى يؤخذ من يراد الإغارة عليه بغرة ويفاجأ بالغارة مفاجأة. وقد يقصد في الليل من غير أن يعلم، فيؤخذ بغتة، والاسم “البيَات”. و “بيت القومَ والعدو: أوقع بهم ليلاً”. وقد أشير إلى “البيات” في الحديث. فقد كان المسلمون يصيبون في البيات من ذراري المشركين، فسألوا الرسول حكمه فيهم. فكان حكمه: “هم منهم” و “هم من آبائهم”.

والغارة دفع الخيل على من يراد الإغارة عليهم. يقال أغار على القوم غارة واغارة، دفع عليهم الخيل. فتكون الغارة بالخيل في الأخص. ويقال أغار إغارة الثعلب، إذا أسرع ودفع في عدوّه. فالغارة غير الغزو والحرب، تكون سريعة في الغاب يعقبها رجوع سريع.

ويعبر عن الغارة بلفظة “تادم” في العربيات الجنوبية. وتطلق على كل حملة عسكرية أيضاً.

ولا تقتصر الغارات على غارات قطعات الجيش على العصاة والثوار، بل قد تقوم بها قبيلة على قبيلة، وقد يقوم بها أفراد، لأسباب مختلفة. وقد يقوم بها اللصوص والصعاليك، يغيرون على أحياء العرب وعلى السابلة للحصول على مغنم. وكان.بعض أصحاب الغارات يمعنون في الغارة فيبتعدون عن منازلهم. ويعدّون “بُعد الغارة” نوعاً من أنواع الشجاعة والفروسية، لما تكتنف المغير من أخطار ومهالك. وكان “مروان بن زنباع”، ويقال له: “مروان القرظ” من “مشهوري أهل الجاهلية في بُعد إلغارة.

وكانت الغارات والغزوات من، أهم وسائل الإعاشة والحصول على مغانم بالنسبة للقبائل النازلة على حدود الحضارة أو على مقربة منها. مثل حدود العراق أو حدود بلاد الشام. وتكثر الغارات في سني الجدب والقحط وانحباس المطر. فلا يبق أمام تلك القبائل للبقاء على حياتها سوى النزوح إلى أماكن أخرى مخصبة معشبة، ويؤدي ذلك إلى التقاتل مع القبائل الأخرى النازلة في تلك الأرضين، أو مع قوات الحدود التي تحاول رد تلك القبائل خشية غزوها للحضر أو لمن يقيم وراء الحدود من أعراب. لذلك استعملت حكومات العراق وبلاد الشام جملة وسائل لكبح جماح الأعراب الغزاة في جملتها حماية الحدود ب “مسالح” بنيت في أطراف البوادي وفي نهايات إلطرق التي توصل إلى الحضر، تضع بها قوات مقاتلة نظامية وغير نظامية من الأعراب أصحاب الإبل لمقاتلة الأعراب، وتقديم الأطعمة والميرة من المستودعات المقامة في “المسالح” و “القصور” إلى سادات القبائل لسد ما عندها من نقص في الطعام، وبإقامة إمارات عربية، تودع اليها أمور تأمين الأمن في إلبادية وحماية الحدود من غارات الأعراب.