قال أبان: سمعت سليم بن قيس يقول – وسألته(1): هل شهدت صفين؟ فقال: نعم.
قلت: هل شهدت يوم الهرير؟ قال: نعم. قلت: كم كان أتى عليك من السن؟ قال:
أربعون سنة. (2)قلت: فحدثني رحمك الله.
قال: مهما نسيت من شئ من الأشياء فلا أنسى هذا الحديث. ثم بكى وقال:
صفوا وصففنا، فخرج مالك الأشتر على فرس له أدهم مجنب (3) وسلاحه معلق على
فرسه وبيده الرمح وهو يقرع به رؤوسنا ويقول: (أقيموا صفوفكم).
فلما كتب الكتائب (4) وأقام الصفوف أقبل على فرسه حتى قام بين الصفين فولى أهل الشام ظهره وأقبل علينا بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلی الله عليه و اله، ثم قال:
(أما بعد، فإنه كان من قضاء الله وقدره اجتماعنا في هذه البقعة من الأرض لآجال
قد اقتربت وأمور تصرمت، يسوسنا فيها سيد المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين وابن عم نبينا وأخوه ووارثه، وسيوفنا سيوف الله، ورئيسهم ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق وبقية الأحزاب يسوقهم إلى الشقاء والنار. ونحن نرجو بقتالهم من الله الثواب، وهم ينتظرون العقاب. فإذا حمى الوطيس وثار القتال (5) وجالت الخيل بقتلانا وقتلاهم رجونا بقتالهم النصر من الله، فلا أسمعن إلا غمغمة (6) أو همهمة.
أيها الناس، غضوا الأبصار وعضوا على النواجذ من الأضراس فإنها أشد لضرب
الرأس، واستقبلوا القوم بوجوهكم وخذوا قوائم سيوفكم بأيمانكم، فاضربوا الهام
وأطعنوا بالرماح مما يلي الشرسوف(7 ) الايسر فانه مقتل وشدوا شدة قوم موتورين
بآبائهم وبدماء إخوانهم حنقين على عدوهم، قد وطنوا أنفسهم على الموت،
لكيلا تذلوا ولا يلزمكم في الدنيا عار).
ثم التقى القوم فكان بينهم أمر عظيم، فتفرقوا عن سبعين ألف قتيل من جحاجحة
العرب(8). وكانت الوقعة يوم الخميس من حيث استقلت الشمس حتى ذهب ثلث الليل الأول. ما سجد لله في ذينك العسكرين سجدة حتى مرت مواقيت الصلوات الأربع:
الظهر والعصر والمغرب والعشاء. (9)
خطبة أمير المؤمنين عليه السلام بعد ليلة الهرير
قال سليم: ثم إن عليا عليه السلام قام خطيبا فقال: (يا أيها الناس، إنه قد بلغ بكم ما قد رأيتم وبعدوكم كمثل فلم يبق إلا آخر نفس، وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها،
وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغوا فيكم ما قد بلغوا. وأنا غاد عليهم بالغداة
إن شاء الله ومحاكمهم إلى الله).
رفع المصاحف
فبلغ ذلك معاوية ففزع فزعا شديدا وانكسر هو وجميع أصحابه وأهل الشام
لذلك. فدعا عمرو بن العاص فقال: يا عمرو، إنما هي الليلة حتى يغدو علينا،
فما ترى؟ قال: أرى الرجال قد قلوا، وما بقي فلا يقومون لرجاله ولست مثله، وإنما يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره: أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء. وليس يخاف أهل الشام عليا إن ظفر بهم ما يخاف أهل العراق إن ظفرت بهم. ولكن ألق إليهم أمرا إن ردوه اختلفوا وإن قبلوه اختلفوا دعهم إلى كتاب الله وارفع المصاحف على رؤوس الرماح، فإنك بالغ حاجتك فإني لم أزل أدخرها لك.
كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام خديعة
فعرفها معاوية وقال: صدقت، ولكن قد رأيت رأيا أخدع به عليا: (طلبي إليه الشام
على الموادعة)، وهو الشئ الأول الذي ردني عنه.
فضحك عمرو وقال: أين أنت يا معاوية من خديعة علي؟ وإن شئت أن تكتب فاكتب.
قال: فكتب معاوية إلى علي عليه السلام كتابا مع رجل من أهل السكاسك يقال له (عبد الله
بن عقبة):
(أما بعد، فإنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمناه نحن، لم يجنها
بعضنا على بعض. وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي منها ما نرم به (10) ما مضى ونصلح ما بقي.
وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة ولا بيعة، فأبيت ذلك علي
أعطاني الله ما منعت. وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنك لا ترجو من
البقاء إلا ما أرجوه ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف، وقد والله رقت الأكباد وذهبت الرجال. ونحن بنو عبد مناف، وليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به عزيز
ولا يسترق به ذليل، والسلام).
جواب أمير المؤمنين عليه السلام لكتاب معاوية
قال سليم: فلما قرأ علي عليه السلام كتابه ضحك وقال: العجب من معاوية وخديعته لي
فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له: أكتب:
أما بعد، فقد جائني كتابك تذكر فيه (أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك
إلى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض)، وإنا وإياك – يا معاوية – على غاية منها
لم نبلغها بعد.
وأما طلبك الشام، فإني لم أعطك اليوم ما منعتك أمس. وأما استواؤنا في الخوف
والرجاء، فإنك لست بأمضى على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام أحرص
على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك (إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض)، فكذلك نحن ولكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المنافق كالمؤمن والمبطل كالمحق. في أيدينا فضل النبوة التي ملكنا بها العرب واستعبدنا بها العجم، والسلام).
شماتة عمرو بن العاص بمعاوية
قال: فلما انتهى كتاب علي عليه السلام إلى معاوية كتمه عن عمرو، ثم دعاه فأقرأه. فشمت
به عمرو، وقد كان نهاه. ولم يكن أحد من قريش أشد تعظيما لعلي عليه السلام من عمرو بعد اليوم الذي صرعه عن دابته. فقال عمرو:
ألا لله درك يا بن هند ودر المرء ذي الحال المسود
أتطمع – لا أبا لك – في علي وقد قرع الحديد على الحديد
وترجو أن تخادعه بشك وترجو أن يهابك بالوعيد
وقد كشف القناع وجر حربا يشيب لهولها رأس الوليد
له جاواه مظلمة طحول فوارسها تلهب كالأسود (11)
يقول لها إذا رجعت إليه وقابل بالطعان القوم عودي
فإن وردت فأولها ورودا وإن صدرت فليس بذي ورود
وما هي من أبي حسن بنكر وما هي من مسائك بالبعيد
وقلت له مقالة مستكين ضعيف القلب منقطع الوريد
طلبت الشام حسبك يا بن هند من السوءات والرأي الزهيد
ولو أعطاكها ما ازددت عزا وما لك في استزادك من مزيد
فلم تكسر بهذا الرأي عودا سوى ما كان، لا بل دون عود
فضيحة معاوية وعمرو بن العاص
فقال معاوية: والله لقد علمت ما أردت بهذا. قال عمرو: وما أردت به؟ قال: عيبك
رأيي وخلافك علي وإعظامك عليا، لما فضحك يوم بارزته.
فضحك عمرو وقال: أما خلافك ومعصيتك فقد كانت، وأما فضيحتي فلم يفتضح
رجل بارز عليا (12) ، فإن شئت أن تتلوها أنت منه فافعل!
فسكت معاوية وفشا أمرهما في أهل الشام.
____________
1- أي وقد سألت سليما، وسيأتي في موارد من هذا الحديث قوله: (قال سليم). ويؤيد ذلك أن سليم كان حاضرا بصفين إلى آخرها كما هو صريح عدة أحاديث في هذا الكتاب.
2- يستفاد من هذه العبارة أن سليما ولد بسنتين أو أربع سنين قبل الهجرة، وذلك أن وقعة صفين بدئت في سنة 36 وانتهت في سنة 38. فإذا كان عمر سليم آنذاك أربعون سنة يكون ميلاده إما بسنتين قبل الهجرة أو أربع سنوات.
3- أي كان يقوده إلى جنبه ولم يركبه.
4- كتب الكتائب أي هيأهم وجعلهم في فئات منظمة.
5- حمى الوطيس أي اشتد الحرب.
6- الغمغمة: الكلام الذي لا يبين.
7- الشرسوف: طرف الضلع المشرف على البطن.
8- أي ساداتهم.
9- قوله: (ما سجد لله…) أي كانوا يصلون صلاة الخوف حالة القيام، كما ورد ذلك عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (… وما كانت صلاة القوم يومئذ إلا تكبيرا عند مواقيت الصلاة). راجع أمالي الصدوق:
ص 332 والبحار: ج 32 ص 615 ح 482.
10- أي نصلح ونأخذ في ترميمه.
11- جاوى بالإبل: دعاه إلى الماء، والطحول: الملآن.
12- روى العلامة الأميني في الغدير: ج 2 ص 161 عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم عن ابن عباس قال: تعرض عمرو بن العاص لعلي عليه السلام يوما من أيام صفين وظن أنه يطمع منه في غرة فيصيبه. فحمل عليه علي عليه السلام، فلما كاد أن يخالطه أذرى نفسه عن فرسه ورفع ثوبه وشغر برجله فبدت عورته فصرف عليه السلام وجهه عنه وقام (أي ابن العاص) معفرا بالتراب هاربا على رجليه معتصما بصفوفه. فقال أهل العراق: يا أمير المؤمنين، أفلت الرجل. فقال: أتدرون من هو؟ قالوا: لا. قال: إنه عمرو بن العاص، تلقاني بسوأته فذكرني بالرحم، فصرفت وجهي عنه. ورجع عمرو إلى معاوية، فقال: ما صنعت يا أبا عبد الله؟ فقال: لقيني علي فصرعني قال: أحمد الله وعورتك!!